خالد محمود يكتب : لماذا اختار نولان « الأوديسة » بعد « أوبنهايمر » ؟

خالد محمود

الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 12:37 م

خالد محمود

بعد النجاح التاريخي الذي حققه فيلم «أوبنهايمر»، كان السؤال الذي شغل الوسط السينمائي العالمي هو: ما الخطوة التالية لكريستوفر نولان؟ فالمخرج البريطاني، الذي اعتاد مفاجأة جمهوره في كل مشروع جديد، كان قد وصل مع «أوبنهايمر» إلى ذروة فنية وتجارية نادرة، مقدمًا فيلمًا عن عالم فيزياء تحول إلى أحد أكبر الأحداث السينمائية في العقد الحالي. لذلك لم يكن اختيار نولان لملحمة «الأوديسة» مجرد قرار إنتاجي عادي، بل بدا وكأنه امتداد طبيعي لمسار فني طويل ظل يتشكل على مدار أكثر من عشرين عامًا. للوهلة الأولى، قد يبدو أن هناك مسافة شاسعة بين فيلم يتناول حياة روبرت أوبنهايمر، مبتكر القنبلة الذرية، وبين ملحمة إغريقية عمرها آلاف السنين تحكي رحلة ملك يعود إلى وطنه بعد الحرب. لكن عند التأمل في عالم نولان السينمائي، تتكشف خيوط كثيرة تربط بين العملين. منذ بداياته، لم يكن نولان مهتمًا بالأحداث بقدر اهتمامه بالشخصيات التي تواجه اختبارات وجودية كبرى. ففي «Memento» كان البطل يبحث عن الحقيقة وسط ذاكرة محطمة، وفي «Inception» كان يبحث عن طريق العودة إلى حياته، وفي «Interstellar» تحولت الرحلة عبر الفضاء إلى رحلة إنسانية للبحث عن الأسرة والنجاة، أما في «أوبنهايمر» فقد واجه العالم الشهير تبعات اكتشاف غيّر مصير البشرية. وفي كل هذه الأعمال كانت هناك رحلة داخلية موازية للرحلة الخارجية. الأمر نفسه نجده في «الأوديسة». فالقصة ليست مجرد مغامرات بحرية أو مواجهة لوحوش أسطورية، بل هي في جوهرها حكاية إنسان يحاول العودة إلى نفسه. عشر سنوات من التيه والعواصف والخسائر والاختبارات تجعل أوديسيوس شخصية قريبة بشكل مدهش من أبطال نولان الذين يقضون أفلامهم وهم يحاولون استعادة شيء ضائع: ذكرى، أو زمن، أو وطن، أو معنى للحياة. هناك أيضًا عنصر آخر يجذب نولان بقوة، وهو الزمن. فلا يوجد مخرج معاصر ارتبط اسمه بالزمن كما ارتبط اسم كريستوفر نولان. ففي معظم أفلامه يتحول الزمن إلى شخصية رئيسية، وليس مجرد إطار للأحداث. وفي «الأوديسة» نجد رحلة تمتد لعقد كامل، يتغير خلالها العالم والأشخاص والعلاقات. إنها قصة عن أثر الزمن على الإنسان، وعن الثمن الذي يدفعه من يغيب طويلًا عن بيته وأحبائه، وهي موضوعات تتقاطع بوضوح مع هواجس نولان الفنية. ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى اختيار «الأوديسة» باعتباره تحديًا جديدًا لمخرج اعتاد البحث عن المستحيل. فبعد أن قدم أفلامًا عن الأحلام، والثقوب السوداء، والسفر عبر الزمن، والسيرة الذاتية العلمية، ربما وجد أن الخطوة التالية المنطقية هي الاقتراب من واحدة من أعظم الأساطير المؤسسة للخيال الإنساني. فـ«الأوديسة» ليست مجرد قصة قديمة، بل هي النص الذي ألهم آلاف الروايات والأفلام والمسرحيات عبر القرون. وقد وُصفت «الأوديسة» بأنها قصة «تحتوي على جميع القصص»، وتُعد «معجزة عصرها» نظرًا لعالمها الأسطوري المشترك والواسع. ولذلك فإن إعادة تقديمها اليوم تعني الدخول في حوار مع تاريخ طويل من السرد الإنساني. كما أن نولان يبدو، في السنوات الأخيرة، أكثر اهتمامًا بالموضوعات الكلاسيكية الكبرى. فـ«أوبنهايمر» لم يكن مجرد فيلم سيرة ذاتية، بل تأملًا في السلطة والعلم والمسؤولية الأخلاقية. ومن المتوقع أن تحمل «الأوديسة» الطابع نفسه، حيث تتحول الرحلة الأسطورية إلى مناقشة أسئلة إنسانية أوسع تتعلق بالهوية والانتماء والقدر والإرادة. ولا يمكن تجاهل الجانب السينمائي البحت. فـ«الأوديسة» تمنح نولان فرصة لصنع فيلم ملحمي بالمعنى الكامل للكلمة. فمنذ سنوات طويلة لم تقدم هوليوود أعمالًا ملحمية ضخمة تجمع بين الطموح الفكري والاستعراض البصري كما كان يحدث في أفلام «لورنس العرب» أو «بن هور». ويبدو أن نولان، المعروف بإيمانه بتجربة الشاشة الكبيرة، يرى في هذه الملحمة فرصة لإعادة إحياء ذلك النوع من السينما الذي يعتمد على المواقع الطبيعية الضخمة، والصورة المهيبة، والرهان على قوة الحكاية. وربما لهذا السبب جاء الإعلان عن تصوير الفيلم بالكامل بكاميرات IMAX، وكأن المخرج يريد أن يجعل من رحلة أوديسيوس تجربة حسية يعيشها المشاهد بكل تفاصيلها. فالبحار المفتوحة، والجزر الغامضة، والعواصف، والمواجهات الأسطورية، كلها عناصر توفر المجال لصناعة عرض بصري استثنائي ينسجم مع شغف نولان الدائم بتوسيع حدود الصورة السينمائية. في النهاية، لا يبدو اختيار كريستوفر نولان لـ«الأوديسة» بعد «أوبنهايمر» قفزة مفاجئة كما قد يظن البعض. على العكس، يمكن اعتباره خطوة منطقية في مسيرة مخرج ظل يبحث طوال الوقت عن القصص الكبرى التي تطرح أسئلة كبرى. وإذا كان «أوبنهايمر» قد تناول رجلًا غيّر العالم، فإن «الأوديسة» تتناول رحلة إنسان يحاول أن يجد طريقه إلى البيت. وبين هذين الطرفين تتجسد الموضوعات التي شغلت نولان دائمًا: الزمن، والهوية، والرحلة، والثمن الذي يدفعه الإنسان في سبيل الوصول إلى الحقيقة أو العودة إلى ذاته.