مقابر الخالدين
مقابر الخالدين


"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر

شيرين الكردي

الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 03:09 م

تمثل "مقابر الخالدين" مشروعًا يوثق صفحات مهمة من التاريخ المصري والعربي، من خلال الحفاظ على الشواهد والتركيبات الجنائزية التي تنتمي لشخصيات تركت بصماتها في مجالات السياسة والثقافة والعلم والعمل الخيري. 

وبينما تؤكد هذه الشواهد احترام المصريين للموتى عبر العصور، يبرز دور المرممين والباحثين باعتباره خط الدفاع الأول عن الذاكرة التراثية، لضمان انتقال هذا الإرث الحضاري إلى الأجيال المقبلة.

 

- رموز تاريخية

 

أكد الباحث الأثري تامر المنشاوي أن مشروع "مقابر الخالدين" يضم عددًا من الشواهد والتركيبات التراثية التي جرى نقلها من مناطق تاريخية عريقة، من بينها مقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة، بهدف الحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية والتاريخية لمصر.

وأوضح المنشاوي أن المقابر تضم مجموعة من العناصر المهمة، من بينها شاهد حسين باشا، وتركيبة كلزار هانم التي نُقلت من قبة كانت قائمة بمنطقة الإمام الشافعي، إلى جانب شاهد حقي العظم، أول رئيس وزراء لسوريا، وتركيبة إسماعيل باشا سليم ناظر الجهادية، وكذلك تركيبة أمير الشعراء أحمد شوقي التي نُقلت من قبة حماة شاهين بمقابر السيدة نفيسة، فضلًا عن تركيبات أخرى لشخصيات بارزة مثل برلنتي العظم وزهرة هانم.

 

- وثائق تاريخية وفنية متكاملة

 

وأشار إلى أن الموقع يحتضن أيضًا شاهد عائشة هانم صديقة، الذي يعلوه تاج مزين بشعار مصر، ويضم كتابات دينية بخط الثلث، لافتًا إلى أن صاحبة الشاهد عُرفت بأعمالها الخيرية الواسعة، إذ أسهمت في إنشاء المدارس والمستشفيات والملاجئ، وقدمت الدعم للفقراء والفتيات.

 

اقرأ ايضا|  محافظ القاهرة: الانتهاء من ترميم التركيبات الخاصة بمتحف مقابر الخالدين 

 

كما تضم مقابر الخالدين تركيبة محمود باشا الفلكي، الذي كان له دور بارز في وضع الخرائط الفلكية ومتابعة الظواهر الكونية، ومن بينها ظاهرة كسوف الشمس، فضلًا عن وجود شواهد تخص عائلات بارزة مثل عائلتي رضا يكن والعظم، لتظل هذه العناصر شاهدة على أدوارها الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما تحمله من قيمة تاريخية وفنية.

وأكد المنشاوي أن هذه التركيبات لا تمثل مجرد شواهد قبور، وإنما تعد وثائق تاريخية وفنية متكاملة، تحمل أسماء أصحابها والخطاطين الذين قاموا بتنفيذها، فضلًا عن الآيات القرآنية والأدعية والعبارات التي تعكس ثقافة المجتمع المصري واحترامه للموتى.

وأضاف أن مصر تمتلك خصوصية حضارية فريدة في احترام الموتى وصون أماكن الدفن عبر العصور المختلفة، بداية من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالأهرامات ومقابر العمال، ووصولًا إلى مقابر وادي الملوك والمقابر التاريخية بالقاهرة.

 

- سجل حضاري يوثق تطور الفنون والعمارة

 

وأشار المنشاوي إلى ما طرحه عمرو الهلباوي بشأن أهمية إعادة وضع الرفات بجوار الشواهد الخاصة بها، بما يحافظ على العلاقة التاريخية والإنسانية بين صاحب القبر والتركيبة، ويصون القيمة الأصلية للموقع.

وشدد على أن هذه الشواهد ليست مجرد أحجار، بل سجل حضاري يوثق تطور الفنون والعمارة والنقوش والكتابات الجنائزية، وأن الحفاظ عليها يعد حفاظًا على جزء أصيل من الهوية المصرية.

وأوضح الباحث الأثري أن دور المرممين يمثل عنصرًا رئيسيًا في صون هذه الذاكرة، حيث لا يقتصر عملهم على إصلاح التلف، بل يشمل مراحل علمية دقيقة تبدأ بالفحص والتوثيق ودراسة المواد الأصلية، ثم اختيار أنسب طرق التدخل التي تضمن الحفاظ على الأثر دون المساس بقيمته التاريخية.

وأشاد المنشاوي بجهود المرممين والمهندسين المشاركين في أعمال الصيانة والترميم، وبالدور الذي يقوم به المهندس أحمد فتحي، رئيس شركة إبداع، في الحفاظ على الشواهد والتركيبات التاريخية وفق أسس علمية دقيقة، مثمنًا الدور الكبير الذي يقوم به المرممون في إظهار القيمة الفنية والجمالية لهذه الشواهد، وموجهًا الشكر إلى المرمم محمود البحيري وفريق العمل المشارك في المشروع.

 

- الحفاظ على الذاكرة الوطنية

 

ومن جانبها، أكدت الباحثة في التراث سلمى أحمد أن الحفاظ على التراث هو حفاظ على ذاكرة المجتمع وهويته، مشيرة إلى أن قيمة "مقابر الخالدين" لا تكمن فقط في مبانيها أو شواهدها، وإنما في القصص الإنسانية والتاريخية التي تحملها هذه القطع.

وأضافت أن صون التراث لا يهدف فقط إلى حماية الآثار، بل يسعى أيضًا إلى الحفاظ على الذاكرة الوطنية والشواهد التي تمثل حلقة وصل بين الأجيال، مؤكدة أن فقدان أي عنصر من عناصر التراث يعني فقدان جزء من التاريخ والهوية، وأن توثيق هذه العناصر يسهم في تعزيز الوعي بالهوية الثقافية المصرية، ويؤكد أهمية استمرار جهود الحماية والترميم من أجل الحفاظ عليها للأجيال القادمة.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة