وظيفة واحدة لا تكفى
جيل «الأوفر تايم»وظيفة واحدة لا تكفى
الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 10:06 م
«وردية تانية» لم تعد مجرد جملة عابرة فى قاموسنا الحياتى، هى حكاية تبدأ بعد ساعات العمل الطبيعية، رحلة يعيشها شبابنا بحثاً عن تحقيق الطموح والأحلام وربما من أجل مواجهة احتياجات الحياة بتغييراتها وتحدياتها، هى مساحة يقتطعها الشباب من يومه ليعيد فيها تعريف ذاته خارج القيود التقليدية للوظيفة؛ ففى زمن لم تعد فيه المسارات المهنية خطًا مستقيمًا، صار السعى إلى تحقيق الطموح أكثر جرأة، حيث لا يكتفى الشباب بما تمنحه الوظيفة الأولى، بل يبحثون عما يضيف معنى، لا مجرد دخل، ويمنح أيامهم أكثر من وجه، وأكثر من احتمال.
مظلة أمان بـ 500 جنيه!
فى الثامنة صباحًا، تصل (بسمة. ن) إلى مكتبها فى إحدى الإدارات التابعة لوزارة التعليم.. تقول بسمة: «الوظيفة بتوفر لى الأمان، لكن مش كل اللى أنا عايزاه… مش كل اللى أقدر أكونه». بسمة، 29 عامًا، قررت أن تبدأ متجرًا إلكترونيًا صغيرًا على منصة التواصل الاجتماعى «فيسبوك» لبيع منتجات يدوية ومستلزمات بسيطة للمطبخ والبيت. وتوضح: «بدأت بـ 500 جنيه، جبت بيهم شوية حاجات من العتبة، وصورتهم فى البيت، ونزلت أول بوست».
أما حسن خريج آداب إنجليزى، فعمره 27 سنة، ويسكن مع أسرته فى حى شعبى بالقاهرة. بعد انتهاء فترة عمله فى الخامسة مساءً، لا يعود إلى البيت لينال قسطًا من الراحة، بل يبدأ الجزء الثانى من يومه، يجلس أمام الـ «لابتوب» ليبدأ عمله الثانى كمترجم حرّ على الإنترنت. يشرح الأمر ببساطة: «الراتب الأساسى بيغطى الأساسيات، لكن مش كفاية أعمل بيه أى خطوة لقدام، الترجمة أونلاين بتفتح لى باب دخل إضافي، والأهم إنها بتخلينى دايمًا فى حالة تطوير».
توجه عالمى
ومن جانبه، يرى د. وليد راشد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن اختزال ظاهرة تعدد الوظائف بين الشباب فى البعد الاقتصادى فقط، يُعد قراءة قاصرة لواقع أكثر تعقيدًا وتنوعًا، فالوظيفة الثانية ليست استجابة تلقائية لضغط مادى.
ويشدّد أستاذ علم الاجتماع على أن مفهوم «الوظيفة» نفسه تغير، ولم يعد يعنى الاستقرار فقط، بل بات يحمل أبعادًا جديدة تتعلّق بتحقيق الذات، وحرية القرار، وإمكانية التوسع المهنى.. ويضيف أن هذا التحول ليس مقصوراً على مصر، بل هو توجه عالمى واضح، حيث باتت الأجيال الجديدة تميل إلى التنقل بين أكثر من مشروع، أو ممارسة أكثر من وظيفة، حتى ولو من خلف شاشات الحواسيب.. ويقول راشد: «إن أى شاب مصرى يمكنه أن يقدّم خدماته كمصمم أو كاتب أو مطوّر برمجيات لشركات فى الصين، أو الولايات المتحدة، أو الخليج، دون أن يغادر منزله».. ويشير إلى أن هناك فارقًا نوعيًا بين الجيل الحالى وسابقه؛ ففى حين كانت الأجيال الماضية تنظر إلى «الوظيفة الميرى» بوصفها ذروة الأمان المهنى، بات الشباب اليوم يرفضون اختزال مستقبلهم فى خانة واحدة، ويرفضون كذلك فكرة انتظار الترقيات الروتينية.. ويضيف: «جزء من هذا الدافع يرتبط بثقافة استهلاكية أيضًا، فالشباب المعاصر يتعامل مع العلامات التجارية والمنتجات ذات الطابع الشخصى والرمزى كجزء من هويته، وهو ما يخلق نوعًا من الضغط المادى، ليس فقط لتأمين الاحتياجات الأساسية، بل لتلبية ما يسمّيه بـ «متطلبات الذات المُتصورة» - أى أن يحيا كما يرى نفسه، لا كما تفرضه الضرورة».
تحول مفهوم النجاح
وسط الحكايات الفردية التى تسرد وجوه «الوظيفة الثانية»، تبدو الصورة أكبر من مجرد حالات متفرقة. هناك تحول اجتماعى عميق فى مفاهيم العمل والنجاح، كما يشير د. علاء الغندور، استشارى الصحة النفسية والتأهيل النفسي، الذى يرى أن الجيل الحالى يتمتع بقدراتٍ نوعية، تجعله أكثر استعدادًا من الأجيال السابقة للتعامل مع عالم سريع التغيرات.
3 مستويات للجيل الجديد
لكن الغندور لا يضع الشباب فى قالب واحد، بل يميّز بين ثلاث شرائح رئيسية داخل الجيل نفسه: فئة أولى تميل إلى السكون، تعتمد على الأهل وتفتقر إلى المبادرة، وتتمسك بأحلام سريعة دون استعداد لتحمل المسئولية أو خوض الطريق؛ وفئة ثانية تمتلك الحلم وتسعى لتطوير نفسها بالتعلم والكورسات، لكنها تصطدم أحيانًا بغياب الدعم أو تأخر الفرص؛ أما الفئة الثالثة، فهى النموذج الأوضح للنجاح، حيث يجتمع فيها الطموح مع العمل، والانضباط مع الوعى، لتصنع طريقها بثبات.
دبلة الخطوبة!
ويرى الغندور أن الضغوط الراهنة لا تترك خيارات كثيرة أمام الشباب، فحتى مجرد التفكير فى الارتباط أو الزواج أصبح مُحاطًا بعقبات مادية، وصلت إلى حد أن «دبلة الخطوبة» - كما يقول - قد تتجاوز 15 أو 20 ألف جنيه، رغم أن وزنها لا يزيد على 3 جرامات. ويؤكد على أن العمل فى وظيفتين أو أكثر ضرورة لا رفاهية، ليس فقط لتأمين المعيشة، بل لبناء أساس مستقر يليق بطموحات جيل يرفض الاستسلام، حتى وإن سلك طرقًا غير تقليدية. جيلٌ لم يعد يرى فى «الوظيفة الحكومية» مَخلصًا، ولا فى «العمل الثابت» أمانًا مُطلقًا، بل يبحث عن ذاته على أكثر من جبهة، ويصنع مستقبله بنَفَسه الطويل.
«تعظيم سلام»
فى زمن يبحث فيه الأفراد عن سبل لتوسيع دخلهم وتحقيق ذواتهم، لا يصبح العمل الإضافى مجرد جهد زائد، بل إضافة حقيقية للناتج القومي، وهو ما يدفعنا، كما يصف د. رشاد عبده، رئيس المنتدى المصرى للدراسات الاقتصادية، أن نرفع له «تعظيم سلام» كلما زادت نتائجه وتحسّنت ثماره.
ويقول : إن أحد أخطر ما يواجه الاقتصاد فى الدول النامية هو نقص الإنتاج وتوسّع فجوة الاستيراد، الأمر الذى يؤدى إلى استنزاف الاحتياطى النقدى وانخفاض قيمة العملة المحلية.. ويضيف: أن فلسفة «الأوفر تايم» ليست مجرد ساعات إضافية، بل هى فرصة لزيادة الإنتاج، ومن ثم زيادة التصدير، وبالتالى جلب المزيد من العائدات الدولارية. ومع تحسّن العائدات، يتراجع سعر صرف الدولار، وتنخفض معه تكلفة الاستيراد، وهو ما ينعكس فى النهاية على انخفاض الأسعار، وتحسّن ما يُعرف عالميًا بـ «جودة الحياة».
وفيما يخص التحدى المُحتمل، يرى عبده أن تعدد الوظائف قد يُثير تساؤلات حول فرص العمل المتاحة لغيرهم، غير أن هذا الأثر لا يحدث إلا إذا اعتمدت المؤسسات بشكل مُبالغ فيه على شاغل واحد لأكثر من وردية، دون فتح مجالات لتوظيف طاقات جديدة، ويؤكد أن تحقيق التوازن بين الاستفادة من الخبرة وتوسيع قاعدة التشغيل هو أحد مفاتيح النجاح فى هذا التحول.
ويلفت إلى أن الدولة قطعت شوطًا مهمًا فى هذا الصدد، من خلال إتاحة الفرصة لبعض المصانع الكبرى لإنشاء معاهد تعليمية وتدريبية تابعة لها، تتيح للشباب الدراسة وفق معايير سوق العمل الحقيقي، مما يسد الفجوة بين التعليم النظرى واحتياجات القطاع الإنتاجي.
ويشدد على أن «الأوفر تايم» ليس سلوكًا مؤقتًا فرضته الظروف الاقتصادية، بل بات أحد تجليات التحوّل المجتمعى نحو العمل المرن وريادة الأعمال، موضحًا أن هذا التحول يعكس وعيًا جديدًا لدى الأجيال الصاعدة، التى لم تعد تؤمن بأن النجاح محصور فى وظيفة تقليدية، بل فى القدرة على استثمار الوقت والمهارات بشكل فعّال.. ويختتم حديثه بتأكيده أن العمل الإضافى، حين يتحقّق فى بيئة داعمة ومنظمة، لا يضيف فقط إلى دخل الفرد، بل يعزّز الاستقرار الاقتصادى العام، ويمهد الطريق لتوسع صناعى وتجارى يخدم أهداف التنمية ويمنح الأجيال القادمة فرصة لحياة أكثر أمنًا وتقدمًا.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
12 مدرسة دولية تمنح الطلاب درجات نهائية وأوراق امتحاناتهم بلا إجابات!
«الإسلاموفوبيا» أول الطريق للحروب الدينية
13 مشروع تخرج بأكاديمية أخبار اليوم.. والتكنولوجيا والأسرة فى الصدارة
المحرك الخفى للعالم| هل تصبح الطاقة وقود الحرب العالمية الثالثة؟!
الخبراء: غياب المعايير يؤدى للابتعاد عن المسار الصحيح
«الإسلاموفوبيا اليومية» عندما تصبح الهوية تهمة والمظهر مبررا للتحيز
خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية
«تسول» الاحتياج والاحتيال فى قاهرة المماليك







