ياسر عبد العزيز يكتب: «أبو ريدة المونديالى».. كيف زرع الروح فى جسد «مصر الكروية» مرتين ؟!
الخميس، 25 يونيو 2026 - 08:47 م
ياسر عبدالعزيز
فى السياسة قد تصنع قرارًا فيتغير يومًا .. وفى الاقتصاد قد تضع خطة فتتغير سنة.. أما فى كرة القدم، فإنك أحيانًا تحتاج إلى عمر كامل حتى تغيّر مصير جيل.. ولهذا لا أحب الحكم على الرجال فى منتصف الحكاية.. فالزمن وحده هو القاضى الذى لا يجامل أحدًا.
ولذلك عندما غاب منتخب مصر عن كأس الأمم الإفريقية ثلاث مرات متتالية، لم تكن المشكلة فى خسارة مباراة أو ضياع بطولة.. كانت المشكلة أن الروح نفسها بدت وكأنها غادرت الجسد.. كان المنتخب الذى دوّخ إفريقيا سنواتٍ طويلة يتحرك بلا ذاكرة، وبلا ملامح، وبلا يقين. وكان الاقتراب منه أقرب إلى الاقتراب من حقل ألغام؛ لا أحد يعرف أين تبدأ المشكلة، ولا أين تنتهي؟!.. فى تلك الأيام الصعبة، لم يكن المهندس هانى أبو ريدة عضو الفيفا يجلس على مقعد رئيس اتحاد الكرة المصرى .. لم يكن يملك سلطة القرار كاملة، لكنه امتلك شيئًا أهم من السلطة: امتلك الإيمان بأن هذا المنتخب لا يليق به السقوط..
كثيرون رأوا أن الاقتراب من المشهد مخاطرة لرجل صنع اسمًا دوليًا كبيرًا داخل الفيفا والدوائر الكروية العالمية.. فالعاقل عادة يبتعد عن المركب الغارق، أما أبو ريدة فاختار أن يصعد إليه.. وهنا يظهر الفارق بين من يبحث عن المنصب، ومن يبحث عن المهمة.. جاء هيكتور كوبر من أقصى العالم حاملًا أفكاره، وجاء أبو ريدة بخبراته وعلاقاته وقدرته على جمع الشظايا المتناثرة. وشيئًا فشيئًا بدأت بقايا المنتخب تتجمع كما تتجمع حبات العقد بعد أن انفرطت..
ومن تحت الركام خرجت العنقاء المصرية.. كان التأهل إلى أمم إفريقيا 2017 على حساب نيجيريا هو الإعلان الأول عن عودة الحياة.. ثم جاء الوصول إلى النهائى أمام الكاميرون. يومها ؛ لامست مصر الكأس بأطراف أصابعها، لكنها عادت من الجابون وهى تحمل ما هو أهم من الكأس نفسها: عادت وهى تستعيد شخصيتها..
وعندما استقبل فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى المنتخب بعد البطولة، لم يكن يتحدث عن مباراة انتهت أو بطولة ضاعت، بل كان يتحدث عن حلم أكبر.. طلب من اللاعبين أن يذهبوا إلى كأس العالم ؛ فذهبوا.. وكانت روسيا 2018 هى المحطة التى أكدت أن ما حدث لم يكن صدفة، بل نتيجة مشروع كامل شارك فى بنائه رجل اسمه هانى أبو ريدة..
والمدهش أن التاريخ يحب أحيانًا أن يعيد كتابة سطوره بالحبر نفسه ؛ فبعد سنوات طويلة، وبينما كانت الكرة المصرية تبحث مجددًا عن طريقها وسط ضجيج الانتقادات وتبدل الأجيال، ظهر المشهد نفسه تقريبًا.. منتخب يحتاج إلى إعادة بناء، ومدرب جديد يحمل الحلم، ورجل فى الخلفية يحرك التفاصيل بهدوء.. وكما فعل مع كوبر، فعل أبو ريدة مع حسام حسن.. استخدم أبو ريدة مكانته الدولية ليضع المنتخب على خريطة الإعداد العالمية..
جاءت الدورة الدولية فى العاصمة الجديدة ضمن أجندة الفيفا، ثم توالت المباريات الكبيرة والمعسكرات النوعية.. إسبانيا، السعودية، البرازيل، ثم معسكر أمريكى طويل بدا وكأنه ورشة عمل مفتوحة لبناء منتخب قادر على الذهاب بعيدًا.. والنتيجة أن مصر عادت مرة أخرى إلى كأس العالم.. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل هى مصادفة أن يرتبط اسمه بأحدث مشاركتين لمصر فى المونديال؟..
الأرقام لا تؤمن بالمصادفات؛ فالرجل الذى شهدت فترات وجوده صعود مصر إلى كأس العالم مرتين، يساوى وحده حصيلة كل من ارتبطت أسماؤهم - من رؤساء اتحاد الكرة - بالمشاركتين السابقتين فى 1934 و1990.. ولهذا يبدو لقب «الرئيس المونديالي» أقرب إلى الوصف الحقيقى لأبو ريدة بلا مبالغة .
ولكن الحكاية لا تبدأ بالمونديال ولا تنتهى عنده.. فالتاريخ يحتفظ للرجل أيضًا بدور مهم فى صناعة العصر الذهبى للكرة المصرية مع الراحل سمير زاهر رئيس اتحاد الكرة الأسبق ..
يوم أصر _ أمام اللجنة الوزارية التى شكلها أنس الفقى وزير الرياضة الأسبق _ على منح حسن شحاتة فرصة قيادة المنتخب قبل أمم إفريقيا 2006، ويوم ترأس اللجنة العليا للبطولة التى تحولت إلى عيد مصرى كبير.. كانت المدرجات مليئة بالعائلات، والشوارع تنبض بالحياة، ومصر كلها تبدو وكأنها ملعب واحد..
ومن هناك بدأت الثلاثية الإفريقية التى لا تزال حتى اليوم أعظم ما أنجبته الكرة المصرية.. ولهذا كله فإن الحديث عن هانى أبو ريدة لا يتعلق بمباراة أو بطولة أو منصب.. إنه حديث عن رجل يظهر فى اللحظات التى يظن فيها الجميع أن الطريق انتهى، ثم يثبت أن الطرق لا تنتهي، وإنما تنتظر فقط من يعرف كيف يفتحها.
وخلال ولايته الحالية صعدت منتخبات الناشئين والشباب الى المونديال فى مواليد 2005 و 2008 و2009.. أبو ريدة المونديالى تاريخه حافل بالإنجازات والبطولات لذا هو قيمة يُحتفى بها فى العالم ؛ وربما لهذا السبب تحديدًا، كلما دق جرس المونديال فى الكرة المصرية، كان اسم هانى أبو ريدة حاضرًا فى المشهد.. ليس باعتباره شاهدًا على الإنجاز، بل أحد صُنّاعه.