د. إبراهيم مجدي حسين يكتب: سيكولوجية الوصمة والتعافي.. كيف أعادت "إمبابة" صياغة علاج إدمان الإناث في مصر؟

د. إبراهيم مجدي حسين

الجمعة، 26 يونيو 2026 - 03:36 م

بوابة أخبار اليوم

​لغايات قريبة جداً، كانت كواليس الطب النفسي وعلاج الإدمان في مصر تواجه مأزقاً إكلينيكياً وإنسانياً شديد الحساسية؛ فالأقسام المخصصة لعلاج الإدمان بين السيدات في المستشفيات كانت شحيحة للغاية، بل تكاد تكون منعدمة في بعض المحافظات. هذا النقص الحاد كان يضطرنا كأطباء نفسيين إلى حجز مريضة الإدمان في الأقسام المشتركة مع المريضات النفسيات (حالات الذهان والفصام الحاد)، وهو ما كان يفرض تعقيدات بالغة الصعوبة على بروتوكولات العلاج، ويزيد من "الوصمة الاجتماعية" التي تطارد المرأة المدمنة وتمنعها من طلب الاستغاثة. ​لكن المشهد الحالي في مصر يشهد ثورة تكنوقراطية وصحية حقيقية، تمثلت في تضافر الجهود بين الأمانة العامة للصحة النفسية وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي التابع لمجلس الوزراء. ومن بين أبرز الشواهد الإكلينيكية على هذه النقلة النوعية، يبرز صرح "مستشفى إمبابة لعلاج وتأهيل حالات الإدمان" كقصة نجاح تدار في صمت وتفانٍ.   ​منظور دولي: أكثر من مجرد سحب سموم   ​ما يحدث داخل مستشفى إمبابة ليس مجرد عزل تقليدي، بل هو تطبيق عملي لأحدث البروتوكولات العلمية التي تنادي بها المنظمات الدولية. وإذا نظرنا إلى تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، نجد إشادة دولية واضحة بالتوجه المصري الأخير في التوسع في العلاجات القائمة على الأدلة العلمية، مثل "العلاج البديل للأفيونات" (Opioid Agonist Therapy - OAT)، والذي لا يقتصر على سحب السموم الجسدية، بل يمتد لإعادة بناء حياة المتعاطين وإدماجهم في المجتمع وتوفير بيئة تحميهم من الانتكاسة وسلوكيات الخطر الجنائي أو الصحي الارتدادي. ​وفي دراسة مرجعية نشرت في مجلة "Springer" العالمية (2023) حول "محددات طلب العلاج من الإدمان في مصر"، تبين أن "الخوف من الوصمة الاجتماعية" (Social Stigma) وتكلفة العلاج الباهظة في المراكز الخاصة هما أكبر عائقين يمنعان الإناث والشباب من التقدم للعلاج. ​وهنا تكمن عبقرية صرح "إمبابة"؛ حيث يوفر المستشفى طاقة استيعابية ضخمة (200 سرير) في قلب أكبر أحياء الجيزة كثافة، مخصصاً قسماً كاملاً معزولاً ومستقلاً لعلاج السيدات، لتقديم الخدمة الطبية والنفسية والتأهيلية بالمجان تماماً، وبسرية مطلقة ومعاملة آدمية راقية تليق بأي سيدة مصرية تعثرت في فخ هذا المرض وتحتاج ليد تمتد إليها دون إدانة أو تمييز.   ​المعادلة الإدارية خلف الإنجاز   ​إن هذا النجاح الإكلينيكي لا يمكن فصله عن كفاءة المنظومة الإدارية والتنفيذية التي تقف خلفه. فالعمل على الأرض يتم بروح تملؤها الضمير المهني تحت قيادة مدير مجتهد وصديق عمر وهو الدكتور مصطفى منصور، وبدعم مباشر وتوجيهات مستنيرة من القائد التنفيذي الخلوق الدكتور عمرو عثمان، الذي استطاع تحويل ملف الإدمان من مجرد ملف رعاية اجتماعية تقليدي إلى منظومة تكنوقراطية خدمية تتبع مجلس الوزراء مباشرة وتنافس المعايير العالمية. ​إننا أمام تجربة نموذجية غيرت وجه الطب النفسي المجتمعي في مصر، والواجب المهني والوطني يحتم على وسائل الإعلام المختلفة وبوصلة التوعية ألا تكتفي برصد الأزمات، بل أن تسلط الضوء الكثيف على هذه القلاع الطبية المجانية الناجحة. ​علاج الإدمان ليس عقاباً، بل هو رحلة استرداد للذات والكرامة البشريّة؛ ومستشفى إمبابة أثبت عملياً أن طريق التعافي الآمن للسيدات المصريات لم يعد مستحيلاً، بل أصبح يبدأ من خدمة طبية تحفظ الكرامة وبالمجان. كاتب المقال: استشاري الطب النفسي والأعصاب