مي حجي تكتب: الدبلوماسية المصرية.. 200 عام من الاتزان الاستراتيجي وصناعة السلام
الجمعة، 26 يونيو 2026 - 03:38 م
بوابة أخبار اليوم
لم تكن الدبلوماسية المصرية، على مدار مائتي عام، مجرد جهاز لإدارة العلاقات الخارجية، بل مثلت إحدى ركائز الدولة المصرية الحديثة، وأداة رئيسية لحماية الأمن القومي، وتعزيز المصالح الوطنية، وترسيخ مكانة مصر إقليميًا ودوليًا.
فمنذ تأسيس وزارة الخارجية عام 1826، واكبت الدبلوماسية المصرية التحولات السياسية التي شهدها العالم، وظلت حاضرة في القضايا المفصلية، مستندة إلى إرث عريق ورؤية تقوم على الاتزان، والحوار، واحترام سيادة الدول.
ويأتي الاحتفال بمرور مائتي عام على تأسيس وزارة الخارجية ليؤكد أن هذه المؤسسة لم تكن شاهدًا على التاريخ فحسب، بل أسهمت في صياغته، ورسمت ملامح السياسة الخارجية المصرية، لتصبح نموذجًا في إدارة الأزمات، وبناء الشراكات، والدفاع عن مصالح الدولة، والإسهام في ترسيخ الاستقرار.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وأزمات متشابكة، أصبحت السياسة الخارجية امتدادًا مباشرًا للأمن القومي. ومن هذا المنطلق، نجحت مصر في توظيف أدواتها الدبلوماسية لحماية مصالحها، وتوسيع دوائر التعاون، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، دون التفريط في ثوابتها الوطنية.
وخلال احتفالية مرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الوزارة كانت ولا تزال إحدى ركائز حماية الأمن القومي، مشيدًا بإسهامات أجيال الدبلوماسيين المصريين في خدمة الوطن وتعزيز مكانته بين الأمم.
كما تميزت السياسة الخارجية المصرية بثبات مواقفها تجاه محيطها العربي والإفريقي، انطلاقًا من إيمانها بأن استقرار المنطقة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وانعكس ذلك في تبني القاهرة نهجًا يقوم على دعم الدولة الوطنية، وتشجيع الحلول السياسية، ومنع اتساع رقعة الصراعات، عبر الحوار والوساطة والدبلوماسية الهادئة.
وتبقى القضية الفلسطينية في صدارة أولويات الدبلوماسية المصرية، انطلاقًا من موقف ثابت يدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويؤكد أن السلام العادل والشامل لا يتحقق إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي هذا الإطار، واصلت مصر جهودها لوقف إطلاق النار، وتيسير دخول المساعدات الإنسانية، ورعاية مسارات التهدئة، والعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين للحيلولة دون اتساع دائرة الصراع، بما عزز مكانتها كوسيط يحظى بثقة مختلف الأطراف.
وإلى جانب الملفات السياسية، توسع دور وزارة الخارجية ليشمل دعم الاقتصاد الوطني من خلال جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، وتعزيز التعاون الاقتصادي، فضلًا عن رعاية المصريين بالخارج، بما يعكس تطور مفهوم الدبلوماسية ليتواكب مع متطلبات التنمية الشاملة.
وفي إطار الاحتفال بالمئوية الثانية، جاء افتتاح متحف الدبلوماسية المصرية ليجسد الإرث التاريخي للوزارة، من خلال ما يضمه من وثائق ومعاهدات ومراسلات نادرة توثق أبرز محطات السياسة الخارجية المصرية على مدار قرنين.
كما حمل الاحتفال رسالة وفاء بتكريم شهداء وزارة الخارجية الذين قدموا أرواحهم أثناء أداء واجبهم الوطني، تأكيدًا على أن العمل الدبلوماسي يحمل مسؤوليات وتضحيات لا تقل أهمية عن غيره من ميادين خدمة الوطن.
وأكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، أن مرور مائتي عام على تأسيس الوزارة يمثل محطة وطنية لاستلهام تاريخ الدبلوماسية المصرية وتجديد العهد بمواصلة الدفاع عن مصالح الوطن.
وأشار إلى أن الدبلوماسية المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية عززت مكانة مصر الإقليمية والدولية، ورسخت نهج الاتزان الاستراتيجي الذي يجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على العالم، بما يخدم المصالح الوطنية.
وختامًا، فإن الاحتفال بالمئوية الثانية لوزارة الخارجية لا يقتصر على استذكار تاريخ مؤسسة عريقة، بل يجسد مسيرة دولة نجحت في توظيف دبلوماسيتها لخدمة أمنها القومي، وتعزيز حضورها الدولي، ودعم محيطها العربي والإفريقي.
وبعد مائتي عام، تواصل مصر أداء دورها كأحد أبرز الأطراف الفاعلة في ترسيخ السلام، واحتواء الأزمات، والدفاع عن الحلول السياسية، مستندة إلى إرث دبلوماسي ممتد ورؤية استراتيجية تواكب تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
وبذلك، ستظل مصر، كما كانت على مدار قرنين، شريكًا في صناعة السلام، وصوتًا للحوار، وركيزة للاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.