بودكاست 20+| مدني: الإذاعة واجهت التلفزيون والسوشيال ميديا وحافظت على ريادتها
الجمعة، 26 يونيو 2026 - 06:53 م
مروة العدوي
«الإذاعة المصرية ذاكرة الأمة».. هذه العبارة انسحبت على تاريخ الأثير على مدار 92 عامًا، حيث عايشت انتصارات وانكسارات الأمة، وظلت عصية على الخفوت مع بداية ظهور التليفزيون، ثم أخيرًا في عصر السوشيال ميديا. الإذاعة المصرية ليست مجرد صوت يُبث عبر الهواء ويصل إلى كل بيت في مختلف أنحاء الوطن، ولكنها ساهمت في بناء هوية المواطن المصري والعربي.
وبمناسبة اقتراب الإذاعة المصرية من مئويتها الأولى، استضاف بودكاست 20+ الدكتور حسن مدني، الرئيس الأسبق لشبكتي البرنامج العام والقرآن الكريم، حيث المحطات الاستثنائية في تاريخ الإذاعة المصرية.
يقدم بودكاست 20+ الذي يُذاع على منصات بوابة أخبار اليوم، الكاتب الصحفي علاء الدين حافظ، مدير تحرير بوابة أخبار اليوم، ويرمز اسم البودكاست إلى الكود الدولي لمصر، ويرفع شعار «من مصر إلى العالم».
وفي مقدمة استثنائية، استهل الدكتور حسن مدني بداية الحلقة بعبارات إذاعية لامست القلوب: «من القاهرة.. سيداتي سادتي».
اقرأ ايضا| بودكاست 20+| حسن مدني يفتح الصندوق السحري لـ «ذاكرة الأمة»
من منا لم تعلق بذهنه كلمة أو جملة استمع إليها على موجات الإذاعة المصرية بمختلف شبكاتها ومحطاتها؟ "هنا القاهرة، صوت العرب من القاهرة، إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، إذاعة الشرق الأوسط من القاهرة'، مستعيدة الجملة الإخبارية الشهيرة: "سيداتي سادتي مستمعينا الأعزاء إليكم فترتنا الإخبارية الأولى لهذا اليوم"، والبرامج التي حفرت أسماءها في التاريخ مثل: "على الناصية"، "شاهد على العصر"، "زيارة لمكتبة فلان"، "غواص في بحر النغم"، "لغتنا الجميلة"، "تسالي"، و"قال الفيلسوف".
وخلال اللقاء، قال حسن مدني إنه قبل معرفة التلفزيون وعصر السوشيال ميديا، كان هناك صوت يجمع ملايين المصريين حول جهاز صغير اسمه الراديو، ومن الإذاعة المصرية خرجت البيانات التاريخية والدراما الخالدة والأغاني التي صنعت وجدان أجيال على مدار 92 سنة، لتظل الإذاعة مش مجرد وسيلة إعلامية، بل ذاكرة حية للأمة.
◄ من العشوائية الأهلية إلى صوت أحمد سالم والتَّمصير
استهل مدني حديثه بالترحيب والثناء على مؤسسة أخبار اليوم العريقة، معرباً عن ارتباطه الوثيق بها لأنها شكلت لديهم وفي وجدانهم الوعي المصري الكبير، ثم عاد بالذاكرة إلى الوراء ليفكك مراحل نشأة الأثير المصري، موضحاً أن الإذاعة المصرية بدأت رسمياً في الـ 31 من مايو عام 1934، مشيراً إلى أنه قبل هذا التاريخ التاريخي، كان هناك ما يُعرف بـ "الإذاعات الأهلية" والتي كانت قائمة بشكل أساسي على الدعاية والإعلان عن المبيعات، ولم تكن تخضع لضوابط بل كانت تصل أحياناً إلى أمور تتعلق بالسباب والشتائم، واستمر هذا الوضع العشوائي إلى أن انطلق الصوت الخالد من القاهرة في 31 مايو 1934 بصوت الإذاعي الكبير أحمد سالم معلناً التدشين الرسمي.
وتطرق مدني إلى محطة التحول الكبرى المتمثلة في عملية التمصير التي تمت في سنة 1947، حيث انطلقت الإذاعة الواحدة التي أصبحت فيما بعد تحمل اسم البرنامج العام ومن عباءة هذه الإذاعة الأم خرجت وتفرعت الإذاعات الأخرى؛ فكانت البداية مع إذاعة الإسكندرية، تلاها انطلاق إذاعة "صوت العرب" في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي لمساندة حركات التحرر الإقليمية، ثم تأسيس إذاعتي "الشرق الأوسط" و"القرآن الكريم" في سنة 1964.
وتعاقبت التوسعات اللاحقة عبر إطلاق إذاعات الشباب والرياضة والإذاعات الإقليمية. وأكد مدني أن شبكة "البرنامج العام" تظل هي الإذاعة الأم التي تقدم محتوى شاملاً يجمع بين المكون الديني، الثقافي، الإخباري، الترفيهي، والدرامي، مستشهداً بالمسلسل الأشهر "خمسة وربع مساءً" الذي ما زال يقدم ويجدد رسالته حتى يومنا هذا بناءً على خريطة برامجية توضع بدقة كل ثلاثة أشهر (ربع سنوية) لإعطاء كل برنامج فرصة لتقديم رسالته كاملة، من خلال 11 إدارة عامة متخصصة داخل شبكة البرنامج العام، ومنها إدارات التمثيليات، المرأة، المنوعات، والشباب.
◄ أسرار الصندوق السحري وحيلة غلي الحجارة في الصعيد
وفي حديث اتسم بالعمق الإنساني الشديد، وصف الدكتور حسن مدني الراديو بأنه كان «الصندوق السحري» لجيله، مسترجعاً ذكريات الطفولة الشاقة والممتعة في ذات الوقت؛ حيث كانوا وهم أطفال يبحثون بفضول براءة الصغر عن الشخص الذي يتحدث ويختبئ داخل هذا الصندوق.
وأشار إلى أنه في قرى الصعيد التي لم تكن بها كهرباء في ذلك الوقت، كان الراديو الذي يدار بالحجارة (البطارية) هو الوسيلة الإعلامية والترفيهية الوحيدة المتاحة للأهالي، وكشف عن حيلة طريفة ومبتكرة كانوا يلجؤون إليها قديماً، وهي إقدامهم على "غلي الحجارة في مياه ساخنة" لاستعادة شحنها جزئياً لضمان استمرار عمل الجهاز.
ولفت مدني إلى أن الإرسال الإذاعي في الصعيد كان يتضح جودته ويقوى صوته أكثر في فترات الليل وصفاء الجو، وكان الناس يضبطون تفاصيل حياتهم وتوقيتاتهم اليومية بدقة على مواعيد البرامج الإذاعية الشهيرة؛ فكان الموعد مع برنامج "طريق السلامة" في الثامنة إلا خمس دقائق صباحاً، يليه برنامج "كلمتين وبس" في الثامنة والنصف، ثم برنامج "أبلة فضيلة" في العاشرة إلا خمس دقائق. أما في شهر رمضان المبارك، فكانت الإذاعة هي المحور الأساسي للحياة اليومية، خصوصاً مع ابتهالات الشيخ سيد النقشبندي، وفوازير آمال فهمي، ومسلسلات فؤاد المهندس وشويكار الكوميدية، والمسلسل الإذاعي الأشهر والأكثر سحراً "ألف ليلة وليلة" الذي كان يأتي بصوت "بابا شارو".
◄ من نكسة 67 إلى بيان العبور 73
وانتقل رئيس الأسبق لشبكتي البرنامج العام والقرآن الكريم بالإذاعة المصرية إلى الحديث عن اللحظات التاريخية الفارقة التي تفوقت فيها الإذاعة في صناعة الحدث، مسترجعاً اللحظة التي شعر فيها وجدانه وعقله بأن الإذاعة تصنع التاريخ؛ وكان ذلك في عام 1973 حينما كان طالباً في المرحلة الإعدادية، حيث ذهب وزملاؤه إلى المدرسة فوجدوها مغلقة بسبب اندلاع الحرب، وعند عودتهم إلى القرية وجدوا الأهالي ملتفين بخشوع وشغف حول جهاز الراديو لمتابعة البيانات العسكرية الصادرة من الجبهة، مؤكداً أن من أروع البيانات التي لا يزال الوجدان يستعيدها هو بيان العبور العظيم الذي ألقاه الراحل صبري سلامة بنبرته الحماسية؛ "عبرت قواتنا المسلحة مانع قناة السويس".
وشدد مدني على أن الإذاعة هي بحق ذاكرة الأمة الحية، كونها تحتفظ في أرشيفها بالخطابات التاريخية للملك فاروق، وبيان إلغاء معاهدة 1936 بصوت مصطفى النحاس باشا، وبيان ثورة 23 يوليو بصوت الرئيس الراحل أنور السادات.
وعبر مدني في هذا السياق على المراجعات المهنية الشجاعة، معترفاً بأنه في عام 1967 كانت هناك بعض الإخفاقات الإعلامية، ولكن تم تداركها وعلاجها بالكامل في حرب 1973 من خلال تحري الدقة الشديدة والصارمة في نقل الأخبار، مما ساهم في ربط المواطن المصري وثقته بالإذاعة بشكل أعمق.
كما استعرض دور الأثير في مواكبة المشروعات القومية العملاقة وعلى رأسها السد العالي، من خلال الأغاني الوطنية الخالدة التي شدا بها عمالقة الفن مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب. ووصف مدني العلاقة بين الإذاعة والصحافة بأنها علاقة "تكاملية" بامتياز؛ فالإذاعة تستمد مادتها الإخبارية وتحليلاتها من الصحافة عبر البرنامج العريق "من الصحافة إلى الميكروفون"، وفي المقابل تخصص الصحافة صفحات ومساحات ثابتة لمتابعة ونقد الشأن الإذاعي والتلفزيوني.
◄ معركة الصمود وقرصنة الأفكار
وعن صراع البقاء بين الوسائل الإعلامية، أكد مدني أنه عندما ظهر التلفزيون في البدايات، خرجت توقعات كثيرة تقول إنه سيقضي تماماً على الإذاعة ويسحب البساط منها، لكن الأيام أثبتت صمود الراديو وعصيانه على الموت؛ نظراً لأنه وسيلة سهلة التنقل عبر "الترانزستور"، ويمكن الاستماع إليها بيسر في السيارة أو عبر تطبيقات الهواتف الذكية، فضلاً عن كونها وسيلة لا تتطلب تركيزاً بصرياً كاملاً كالتلفزيون، مما يتيح للمستمع ممارسة أعماله اليومية بحرية، وهي الميزة التي تجعل الإذاعة الوسيلة الأرخص سعراً والأسهل حملاً، والأكثر قدرة على إثراء خيال المستمع.
وفجر مدني مفاجأة مهنية ثقيلة عندما أشار إلى أن التلفزيون عند نشأته وتطوره اعتمد بشكل كبير على الإذاعة، بل وأخذ وسرق الكثير من أفكارها الإبداعية وعناوينها الناجحة التي ولدت في الراديو أولاً، وعرضها على شاشته، مستشهداً ببرامج وعناوين شهيرة مثل "صباح الخير يا مصر"، و"شاهد على العصر"، و"زيارة لمكتبة فلان"، والتي كانت جميعها في الأصل أفكاراً إذاعية خالصة قبل أن تتحول إلى برامج تلفزيونية.
دولة التلاوة الرقمية ومواجهة السوشيال والإعلام الموجه
وفي سياق الحديث عن الطفرة التكنولوجية الحديثة وشبكة القرآن الكريم، أشاد مدني بالتطبيق الإلكتروني لإذاعة القرآن الكريم الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، كاشفاً عن أرقام غير مسبوقة حيث وصل التطبيق الرقمي إلى مليار متابع حول العالم، بينما يتابع الإذاعة داخل مصر نحو 40 مليون مستمع، لتثبت هذه الشبكة أنها بحق "دولة التلاوة" التي لا تغيب عنها الشمس.
وأوضح مدني أن وسائل التواصل الاجتماعي أضافت بلا شك جمهوراً جديداً يرى المذيعين بالصوت والصورة، لكنها في الوقت ذاته تعاني من أزمة حقيقية وتفتقر في كثير من الأحيان للمعايير الأخلاقية ومواثيق الشرف المهنية الصارمة التي تلتزم بها الإذاعة المصرية دائمًا، مؤكداً أن الراديو المصري قدم على مدار تاريخه كل الأفكار التي قد تخطر ببال المستمع في كافة المجالات الحياتية والثقافية.
واختتم الرئيس الأسبق لشبكتي البرنامج العام والقرآن الكريم بالإذاعة المصرية لقاءه الدسم عبر بودكاست 20+ بالحديث عن منافسة الإعلام الإقليمي والدولي المحيط، مشيراً إلى أن الإذاعات الموجهة العابرة للحدود مثل "صوت أمريكا" و"مونت كارلو" و"بي بي سي" كان لها جمهورها الواسع قديماً، لافتاً إلى مفارقة تبرز الريادة المصرية وهي أن معظم المذيعين والعاملين في تلك الإذاعات الدولية كانوا في الأصل مصريين وعرباً، حيث تميزت إذاعة "بي بي سي" البريطانية بالاحترافية الإخبارية، بينما كانت إذاعة "مونت كارلو" الفرنسية تشبه في روحها ومنوعاتها إذاعة "الشرق الأوسط" المصرية.
وجزم مدني في نهاية كلماته بأن الإذاعة المصرية لم ولن تفقد بريقها التاريخي أبداً، بل هي في حالة سعي وتجدد دائم ومحاولات مستمرة لاستعادة كامل ريادتها وتأثيرها بفضل جهود أبنائها المخلصين وكثافة المتابعة الجماهيرية لها.