( ثالوث) فى أزمة
الثلاثاء، 30 يونيو 2026 - 08:02 م
أسامة عجاج
حالة من غياب الثقة، تسود العلاقات الخليجية مع طرفى المعادلة القديمة فى المنطقة، أمريكا وإيران، لن تجدى معها تكثيف الاتصالات والزيارات لكبار المسئولين، ومنها جولة وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو الأخيرة، التى نقلته إلى الإمارات والكويت، ولقائه الأول مع نظرائه الخليجيين فى العاصمة البحرينية المنامة، منذ تصاعد الأزمة على الصعيد العسكري، نهاية فبراير الماضي، واستهدفت منشآت النفط ومواقع حيوية، مما تسبب فى خسائر بالمليارات، وصلت حسب التقديرات إلى أكثر من٧٠٠ مليار دولار.
جولة الوزير استهدفت طمأنة دول الخليج، بعد إعلان مذكرة التفاهم، والتأكيد على استمرار الدور الأمريكى فى دعم الخليج مستقبلاً، وهو ما قاله بنفسه، ولكن الحصيلة أنه لم ينجح فى إقناع نظرائه الخليجيين بأن واشنطن لن تبرم اتفاقاً يتعارض مع مصالحهم، ويكفى هنا، أن الوزير أشار إلى أن الحلفاء أبلغوه ببعض المخاوف الجدية،
فالمنطق يقول على الحلفاء التشاور فى مرحلة ما قبل التوصل إلى التفاهم، وليس بعده، وتظل تصريحاته دون معني، وترويجاً لأوهام لن تنطلى على أحد، من نوعية (لن نفعل أى شيء يضعف أمن حلفائنا)، وأن بلاده تسعى إلى سلام دائم مع إيران، على ألا يأتى على حساب أمن وازدهار دول المنطقة). فالاجتماع والتصريحات غير مجدية فى ظل أن إعلان التفاهم حقق مزايا ضخمة لإيران، حيث أجل النظر فى الملف النووى الإيراني،
والذى تنظر إليه دول الخليج باعتباره جزءاً كبيراً من معادلة أمنية أوسع، تمس استقرار المنطقة، وليست قضية تقنية تخص أجهزة الطرد المركزى ونسبة التخصيب، كما لا يأتى على ذكر البرنامج الصاروخي، وهو الملف الذى تراه دول المنطقة على نفس مستوى الملف النووي، كما يعترف لإيران بدور رسمى فى إدارة مضيق هرمز،
ومن هنا يأتى أحد أسباب تحفظها غير المعلن على إعلان التفاهم، خاصة وأنه إذا تم التوقيع على الاتفاق النهائى بنفس المضمون، فإن إيران تكون قد خرجت بجزء معتبر من قدراتها، وحصلت على مزايا اقتصادية وسياسية تساعدها فى ترميم آثار الحرب، واستعادة القدرة على التمويل، وتأهيل البنية العسكرية والصناعية،
وتعزيز هامش حركتها فى الإقليم، كما أن الاتفاق على إنشاء صندوق لإعمار إيران بـ ٣٠٠ مليار دولار، لا يلقى حماسة من دول الخليج، خاصة وأنها المعنية بتمويله، وفقاً لتصريحات ترامب، وهناك شكوك فى مشاركة الخليج فى ذلك وحدها، فليس من المنطقى أن تدفع ثمن أخطاء الآخرين مرتين.
دعونا نتفق على أن المواجهات العسكرية، فرضت على الأطراف البدء فى آليات جديدة، والبحث فى صياغة مختلفة للعلاقات بين الأطراف الثلاثة، ولنبدأ بمجموعة دول الخليج مع أمريكا، فقد انتهت حقبة العلاقات الاستراتيجية التى ترسخت بعد عام١٩٩١، نتيجة دور واشنطن فى تحرير الكويت، والتى أثمرت مقاربة توافقية بين الطرفين، تتضمن توفير مظلة أمنية شبه مضمونة،
مقابل القبول بالوجود العسكري، عبر قواعد ثابتة، وصفقات سلاح ضخمة، أما بعد المواجهات العسكرية، فهناك حالة فقدان ثقة خليجية تجاه أمريكا، ولا يمكن الاعتماد عليها، خاصةً مع رؤية ترامب المبتكرة للوجود الأمريكى فى المنطقة، والذى يعبر عن تيار داخل الإدارة، وقالها صراحة (ليس هناك حماية مجانية بعد اليوم، فهى مدفوعة الثمن، وليست التزاماً استراتيجياً مفتوحاً)، وتحدث عن (حصول أمريكا على ٢٠ بالمائة من إيرادات المنطقة، فى حالة فشل الاتفاق النووي).
وقد تختلف الأمور، ولو بشكل محدود على صعيد العلاقات مع إيران، التى يعتمد تطورها إيجابياً على ثلاث ملفات، الأول تجاوز أزمة الثقة بين ضفتى الخليج، ويتحقق ذلك نتيجة التوافق حول مستقبل القدرات الصاروخية الإيرانية، وشبكات النفوذ الإقليمي، والأذرع المسلحة، والثانى مصير القواعد الأجنبية فى المنطقة، حيث تشترط إيران إنهاء الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة، وهو ما يمس الترتيبات الأمنية، فليس مطروحاً الاستغناء عن دور أمنى لواشنطن بشكل سريع،
ناهيك عن الإقرار بنفوذها الإقليمي، واعتبارها دولة مؤثرة بعيداً عن الإقصاء والتهميش، أما الملف الثالث فهو الاتفاق على شكلٍ إدارة مضيق هرمز، وهناك حوارات مع سلطنة عمان حول الأمر، وحتى مع واشنطن من خلال المباحثات التى تم الإعلان عنها بين واشنطن وطهران فى الدوحة، والتى كان مقرراً لها أمس.
وهكذا يجد الخليج نفسه أمام عدد من الخيارات للتعامل مع طرفى الصراع، للحفاظ على أمنه واستقراره ومصالحه، وهى كالتالي:
الأول: الاعتماد على الذات، وأن ينتقل من خانة الاعتماد على مظلة حماية خارجية، إلى موقع الشريك القادر على توفير جزء معتبر من أمنه الذاتي، عن طريق تعزيز قدرات قوات درع الجزيرة، قوامها الحالي٤٠ ألف جندي، بعد أن كانت فى بداية تشكيلها١٠آلاف فقط، تحت قيادة عسكرية موحدة، وكان السلطان قابوس قد اقترح فى تسعينيات القرن الماضي، إنشاء قوة دفاعية خليجية، قوامها ١٠٠ ألف جندي، ولكنه ظل حبيس الأدراج، نتيجة الحسابات الوطنية الضيقة، لبعض دول الخليج.
الثاني: توسيع دائرة التحالفات، فأحد الأفكار المطروحة هو الانتقال من مفهوم الاعتماد على الأمن الخليجي، إلى التعاون الإقليمي، وهناك ملامح للسير فى هذا الخيار، من ذلك اتفاق التعاون الاستراتيجى بين السعودية وباكستان، والإطار التنسيقى الرباعى بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، مع انضمام بقية الدول الخليجية، مع بحث ضم دول أخرى.
الثالث: البحث الجدى فى المقترح القطري، حول منظومة أمن إقليمي، يضم إيران، وقد أعلن رئيس الوزراء القطرى ووزير الخارجية محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، عن عزم إيران الدخول مباحثات مع دول الخليج حول الأمن الإقليمي، فى المرحلة القادمة، وحقيقة الأمر أن هناك تواصلاً مستمراً بين كبار المسئولين فى إيران ودول الخليج، وآخر هذه الاتصالات بين وزيرى خارجية السعودية وإيران منذ أيام، وعودة التواصل مع الإمارات،
ناهيك عن استمرارها، مع قطر وسلطنة عمان، ويستلزم ذلك اختبار قدرة النظام الإيرانى على التغيير، وإمكانية التحول من دولة ثورية تعتمد على المواجهة الشاملة، إلى أخرى تبحث عن مصالحها بالاندماج الاقتصادي، وتقديم مصالح الداخل على مشروعها عبر التوسع الخارجي،
من خلال جماعات مساندة فى العديد من دول المنطقة، وقد كشفت الآونة الأخيرة، ملامح براجماتية أظهرها النظام الإيراني، الذى يبدو أن هاجسه الأكبر، هو الوضع الاقتصادى الذى يهدد بالفعل الاستقرار الاجتماعي.
وبعد، فعلينا أن نرصد وجود طرف رابع، إنها إسرائيل التى تراقب كل ما يجري، وتسعى لعرقلة أى تقدم باتجاه أى تقدم ضد أهدافها ومصالحها.