د. زاهى حواس
يوميات الاخبار
من يوميات الحفائر!
الأربعاء، 01 يوليه 2026 - 08:01 م
كان توفيق الحكيم يجلس أمام جهاز التليفزيون، بينما يضحك أنيس منصور ويقول له: «انظر، سوف تشاهد نفسك فى التليفزيون الآن». ولم يصدق الحكيم ذلك، فأخذ يتحسس شاربه ويهز عصاه، ثم رأى نفسه على الشاشة ، فارتسمت على وجهه علامات التعجب .
كتبتُ من قبل عن بعض الحكايات الشعبية التى ارتبطت بطفولتنا، مثل «غريب الدار« و«أمنا الغولة»، وذلك من خلال ما ورد فى دفتر حفائر البعثة الفرنسية، الذى قامت بترجمته د. جيهان زكى. وكانت «أمنا الغولة» من أكثر الحكايات التى ترويها لنا أمهاتنا وجداتنا ونحن صغار.
كنت أتخيلها دائمًا سيدة مخيفة، وكان كل طفل يتصورها بشكل مختلف، فلم تكن لها صورة واضحة. كان شكلها يتغير بحسب وصف الجدة أو الأم، ولذلك كان لأمنا الغولة آلاف الصور فى خيال الأطفال.
وهنا أعود إلى واحدة من أهم الحفائر التى قمت بها فى بداية حياتى الأثرية، وهى حفائر كوم أبو بلّو بمحافظة البحيرة. عشنا لسنوات طويلة فى قرية مجاورة للكوم، وكنت أقضى معظم وقتى بين الحفائر والعمل الميدانى.
عملنا فى مشروع الرياح، الذى يمتد لنحو ثلاثة كيلومترات، ولذلك كنا نعمل صيفًا وشتاءً. وكان معنا عمال من قفط، وهى بلدة شمال الأقصر اشتهر أهلها بالعمل فى الآثار، سواء كرؤساء عمال أو حفارين أو مرممين. كما كان معنا عمال من القرى المجاورة، ومن بينهم فتيات صغيرات تحملن الرمال فى المقاطف فوق رءوسهن، وهن يغنين أغانى شعبية جميلة أثناء العمل.
وفى المساء، كنت أجلس لأكتب القصص والحكايات التى يرويها لى الريس الحاج محمد عبد الوهاب، رحمه الله، وهو من الشخصيات التى لا تُنسى فى عالم الحفائر.
ومن بين هذه الحكايات قصة خوفى القديم من الظلام. فقد كنت، وأنا طفل، أخاف من الظلام خوفًا شديدًا، وإذا طلب منى والدى أن أذهب إلى دكان القرية، كنت أطلب من أخى الصغير محمود أن يرافقنى. وحتى عندما كبرت، إذا اضطررت للعودة من السينما بعد منتصف الليل، كنت أخاف من الطريق، وأحيانًا أسير إلى الخلف من شدة خوفى.
لكن عندما بدأت العمل فى الآثار، ودخلت بئرًا مظلمًا لأول مرة، عاد إليّ الخوف نفسه. غير أن رغبتى فى رؤية مومياء أو اكتشاف مقبرة كانا أقوى من خوفى. دخلت البئر، ومنذ تلك اللحظة بدأت أشفى من خوفى من الظلام، فقد كان شغف الكشف عن الماضى أقوى من كل خوف.
السودانيون بناة الأهرامات !
أعلن الخبير الفلكى عادل السعدون على وسائل التواصل الاجتماعى أن الفراعنة الذين حكموا مصر وبنوا الأهرامات كان أصلهم سودانيًا. وهذا كلام غريب لا يستند إلى أى دليل واضح.
وقبل أن أرد عليه، دعونى أذكر بعض الخرافات التى سمعناها من قبل. فقد خرج علينا من قال إن الذين بنوا الهرم جاءوا من الفضاء، ولا أعرف سبب هذا الكلام، لكنه اعترف بأنه كان مخطئًا بعد أن رددت عليه، وهذا موقف محترم.
لكن هناك آخرين يعلنون آراء غير علمية ولا يعترفون بالخطأ، مثل بعض الإيطاليين الذين أعلنوا فى صحف العالم أنهم وصلوا إلى كشف مهم أسفل هرم خفرع، وقالوا إن هناك ثمانية أعمدة على عمق 60 مترًا، ومدينة كاملة على عمق ألف متر، مستخدمين ما يُعرف بالرادار الجيوفيزيائى. وقد اعتقد الناس أن كلامهم صحيح بسبب ذكر هذه التكنولوجيا، لكننى رددت عليهم وأوضحت أن هذا الرادار لا يكشف إلا إلى عمق محدود، وذهب كلامهم أدراج الرياح.
ثم عادوا هذا الأسبوع ليقولوا إن هناك أبا الهول آخر إلى جنوب أبى الهول المعروف، رغم أن هذا الرأى كان قد أشار إليه بسام الشماع من قبل، وعلقت عليه علميًا، ولم يرد لأنه ربما اقتنع بالرأى العلمى.
ولا أعرف ماذا يريد هؤلاء، سواء هو أو الإيطاليون. كما تأتى بعض الجماعات فى أمريكا الشمالية والجنوبية ليقولوا إنهم أصل الحضارة المصرية، وقد رددنا عليهم بالأدلة العلمية.
أما القول بأن الأهرامات مصرية الأصل سودانية، فيجب أن يعرف هذا الفلكى أن هناك أهرامات فى السودان تُعرف باسم أهرامات مروى، لكنها تختلف عن أهرامات مصر، وقد بُنيت فى العصر المتأخر، أى بعد الأهرامات المصرية بأكثر من ألفى عام.
أما مملكة كوش التى حكمت فى العصر المتأخر، فليس لها صلة ببناء الأهرامات المصرية القديمة. ولذلك لا يجوز الخلط بين حضارة مصر القديمة وأهراماتها، وبين أهرامات السودان التى جاءت فى زمن لاحق.
لقد بنى المصريون القدماء الأهرامات، وهذه حقيقة ثابتة بالأدلة العلمية والأثرية، وكل ما يقال غير ذلك لا يعدو أن يكون خرافة لا تستند إلى دليل.
أبو مينا وأنيس منصور
تحتفل مصر كل عام، فى الثامن عشر من أبريل، بيوم التراث العالمى. وفى هذا اليوم يقيم المجلس الأعلى للآثار احتفالًا كبيرًا فى أحد المتاحف أو المناطق الأثرية، ويتم خلاله اختيار موقع أثرى من مواقع مصر المسجلة على قائمة التراث العالمى، لتسليط الضوء على أعمال الترميم والصيانة وإدارة المواقع الأثرية.
وفى الوقت نفسه، يتم اختيار شخصية مصرية كان لها دور بارز فى إنقاذ التراث المصرى أو التعريف به ونشره بين أبناء المجتمع. وفى هذا العام تم اختيار موقع أبو مينا، وهى منطقة أثرية قبطية بالقرب من الإسكندرية، سُميت تخليدًا للقديس مينا، أشهر شهيد مصرى، الذى وُلد سنة 286م، ووهب ثروته للفقراء، ثم استُشهد عام 309م وهو لا يزال فى سن الشباب.
أما شخصية هذا العام، فهو الكاتب والمفكر الكبير أنيس منصور. وقد سعدت كثيرًا بإجماع الجميع على منحه وسام «ماعت» الذهبى، تقديرًا لما قدمه للآثار والأثريين طوال حياته ومشواره الصحفى. وأتشرف بأن أكون أنا من يقدم هذا الوسام إلى صديقى العزيز أنيس منصور، الذى عرفته عن قرب لأول مرة وأنا طالب بجامعة بنسلفانيا، حين دعانى صديقى الراحل كمال الملاخ لتناول الغداء على مائدته فى منزله بالمنصورية، شرق الأهرامات.
وهناك قابلت العديد من العظماء، ومنهم توفيق الحكيم. وبعد الغداء جلسنا فى الصالون لنشاهد كاميرا الفيديو لأول مرة، وهى تصور وتنقل الصورة إلى التليفزيون مباشرة. وكان الحكيم يجلس أمام جهاز التليفزيون، مرتديًا قبعته الشهيرة، والعصا فى يده، بينما كان أنيس منصور يضحك ويقول له: «انظر، سوف تشاهد نفسك فى التليفزيون الآن«. ولم يصدق توفيق الحكيم ذلك، فأخذ يتحسس شاربه ويهز عصاه، ثم رأى نفسه على الشاشة، فارتسمت على وجهه علامات التعجب.
لقد استطاع أنيس منصور بقلمه أن يجمع المصريين على عشق الحضارة الفرعونية، من خلال كتاباته فى مجلة «أكتوبر»، واهتمامه الدائم بالآثار والاكتشافات الأثرية. ومن خلال عموده فى «الأهرام» و«الشرق الأوسط»، كان يأخذنا إلى الماضى، لنشم معه نسماته، ونتلمس أسرار حضارة الفراعنة وآثارهم، من أهرامات ومعابد ومقابر وملوك، مثل توت عنخ آمون.
لقد نجح أنيس منصور فى تقديم الفراعنة وتاريخهم لعشاق الحضارة المصرية فى العالم العربى. كما جعله عشقه لتراث مصر يكتب عن اكتشافاتى بهضبة الجيزة، واستطاع أن يجعل كشف مقابر العمال بناة الأهرام حديث العامة والمثقفين فى كل مكان. ولن أنسى أنه كان سببًا فى تقديم استقالتى من الآثار لأول مرة، بسبب ما أثارته مقالاته من غيرة فى قلب رئيسى بهيئة الآثار آنذاك. إن هناك قصصًا ومواقف كثيرة مع أنيس منصور، من المهم أن نسجلها للتاريخ .
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









السيد النجار يكتب: مهمـة تبـحث عـن قـرار
العفريت والكمسارى !
التاريخ لا يعرف «عواطف»!
شكلك أصغر من سنك!
في وداع نور الهدى
الحرب أرزاق يا عم « شيلكوت»
سر اختفاء المطابخ من بيوت مصر!
عظيمة يا مصر
ناس من بلدنا على الجسر!