سباق عالمي لإنقاذ البن من تهديدات التغير المناخي

فنجان القهوة

الخميس، 02 يوليه 2026 - 01:02 م

إيمان حسين

مع كل فنجان قهوة يحتسيه الملايين يوميا، تتصاعد مخاوف العلماء بشأن مستقبل أحد أكثر المشروبات انتشارًا في العالم، فالتغيرات المناخية المتسارعة لم تعد تهدد المحاصيل الزراعية التقليدية فحسب، بل أصبحت تضع إنتاج البن أمام تحديات غير مسبوقة، ما دفع الباحثين إلى إطلاق سباق علمي لتطوير سلالات جديدة قادرة على مقاومة الحرارة والجفاف، حفاظا على محصول يشكل مصدر رزق لملايين المزارعين حول العالم. اقرأ أيضأ|كندا تنضم إلى "يوروفيجن" وتوسع المسابقة نحو أميركا الشمالية التغير المناخي يضغط على إنتاج البن يستهلك العالم نحو 2.3 مليار فنجان من القهوة يوميا، لتظل واحدة من أكثر المشروبات شعبية على مستوى العالم، غير أن مستقبل هذا المشروب يواجه تحديات متزايدة، بعدما باتت التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر في إنتاج البن، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات هطول الأمطار، واتساع موجات الجفاف، وفقًا لما أوردته دورية Nature العلمية. وتعتمد صناعة القهوة العالمية بشكل شبه كامل على نوعين رئيسيين هما أرابيكا وروبوستا، وتمثل أرابيكا نحو 60% من إجمالي الإنتاج العالمي، إلا أنها الأكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة، في حين تشكل روبوستا قرابة 40% من الإنتاج، وتمتاز بقدرة أكبر على تحمل الحرارة، لكنها تحتاج إلى كميات وفيرة من المياه، ما يجعلها أيضًا عرضة للتراجع خلال فترات الجفاف. إثيوبيا.. مفتاح الحفاظ على مستقبل القهوة تنتشر زراعة البن في نحو 70 دولة تقع ضمن ما يعرف بـ"حزام القهوة" المحيط بخط الاستواء، بينما تتركز ثلاثة أرباع الإمدادات العالمية في خمس دول فقط هي البرازيل، وفيتنام، وكولومبيا، وإثيوبيا، وإندونيسيا، الأمر الذي يجعل أي اضطرابات مناخية في هذه الدول تنعكس مباشرة على الإنتاج والأسعار عالميا، ويؤكد الباحثون أن إثيوبيا، باعتبارها الموطن الأصلي لقهوة أرابيكا، تمتلك ثروة وراثية تمثل فرصة مهمة لإنقاذ هذا المحصول، وتضم البلاد تنوعًا واسعًا من الأشجار البرية، إلى جانب أكثر من 12 ألف شجرة محفوظة في بنوك وراثية، بهدف الاستفادة منها في تطوير أصناف جديدة أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف. رحلات علمية لاكتشاف سلالات جديدة ضمن الجهود المبذولة لحماية مستقبل القهوة، قاد عالم النبات البريطاني آرون ديفيس بعثات ميدانية في عدد من الدول الإفريقية ومدغشقر، بحثا عن أنواع البن البرية، وأسهمت هذه الرحلات في توثيق نحو ثلث أنواع القهوة المعروفة علميا، ويرى ديفيس أن هذه الأنواع البرية قد تمثل مستقبل صناعة القهوة، لما تمتلكه من خصائص وراثية تساعد في إنتاج أصناف تتحمل الظروف المناخية القاسية، مع الحفاظ على الجودة والنكهة التي يفضلها المستهلكون. بدائل واعدة لمواجهة الأزمة ولا تقتصر جهود العلماء على تحسين السلالات الحالية، بل تمتد إلى دراسة أنواع برية أخرى مثل ليبيريكا وإكسلسا، اللتين تتمتعان بقدرة أكبر على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، مع احتياج أقل للمياه مقارنة بالأنواع التقليدية، كما تتميز بعض هذه الأصناف بنكهات فريدة تجمع بين روائح المانجو والجاك فروت والشوكولاتة، فيما تشير اختبارات التذوق إلى أن بعضها يصعب تمييزه عن قهوة أرابيكا، ما يعزز فرص دخوله الأسواق التجارية خلال السنوات المقبلة. سباق مع الزمن تشير التقديرات العلمية إلى أن المساحات الصالحة لزراعة القهوة قد تتراجع بنحو 50% بحلول عام 2050 إذا استمرت معدلات التغير المناخي الحالية، وهو ما يفسر تسارع الأبحاث الرامية إلى إيجاد حلول مستدامة للحفاظ على هذا المحصول الحيوي. ورغم اتساع التحديات، يؤكد العلماء أن مستقبل القهوة لا يعتمد على حل واحد، بل على حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل حماية الأنواع البرية، وتطوير سلالات أكثر قدرة على التكيف، وتحديث أساليب الزراعة بما يتلاءم مع الواقع المناخي الجديد. وبينما تتسابق المختبرات ومراكز الأبحاث مع الزمن، يبقى السؤال مطروحا: هل تنجح الجهود العلمية في إنقاذ فنجان القهوة قبل أن تصبح زراعته أكثر صعوبة في مناطق الإنتاج التقليدية؟