صناعة المنسوجات في أخميم - ارشيفية
من أخميم إلى أوروبا.. رحلة "شيخ النساجين" مع خيوط التراث
الخميس، 02 يوليه 2026 - 02:33 م
في مدينة أخميم، التي طالما ارتبط اسمها بتاريخ صناعة النسيج في مصر، لا تزال أنوال النسيج اليدوي تنبض بالحياة رغم تحديات العصر، ويواصل الحرفيون الحفاظ على مهنة توارثوها عبر الأجيال، لتبقى شاهدًا على أحد أعرق الصناعات التراثية المصرية.
ويعد الحاج عبد الصبور هريدي، الملقب بـ"شيخ النساجين"، نموذجًا حيًا لهذا الإرث، بعدما نجح في إيصال منتجات النسيج اليدوي من ورشته بسوهاج إلى الأسواق العربية والأوروبية، مؤكدًا أن الحرفة الأصيلة ما زالت قادرة على المنافسة إذا حظيت بالدعم والتسويق اللازمين.
ويعمل إلى جواره ابنه إبراهيم، ليحافظا معًا على مهنة توارثتها الأسرة عبر الأجيال، في محاولة للحفاظ على واحدة من أقدم الحرف اليدوية في مصر، والتي اشتهرت بها محافظة سوهاج منذ آلاف السنين.
- بداية الرحلة من أخميم إلى الكوثر
أكد الحاج عبد الصبور، أن بدايته كانت بمدينة أخميم، المعروفة تاريخيًا بصناعة النسيج والحرير الطبيعي، قبل أن ينتقل هو وزملاؤه من النساجين عام 1993 إلى قرية النساجين بحي الكوثر، والتي أنشئت خصيصًا للحفاظ على هذه الصناعة التراثية.
وضمت القرية آنذاك 150 منزلًا تم تخصيصها للعاملين بالمهنة، كما كانت الجمعيات الأهلية تتولى توفير الخامات وتسويق المنتجات، الأمر الذي ساعد على ازدهار الصناعة لسنوات طويلة.

تغيرت الأوضاع تغيرت بعد عام 2011، حيث توقفت العديد من الجمعيات عن العمل، وتراجع الدعم المقدم للنساجين، مما تسبب في معاناة كبيرة لأصحاب الورش والحرفيين، خاصة مع ارتفاع أسعار الخامات وضعف عمليات التسويق.
- منتجات تغزو الأسواق المحلية والعالمية
شيخ النساجين كشف عن أن منتجات النسيج اليدوي في سوهاج وصلت إلى العديد من المدن السياحية المصرية، مثل الجونة والغردقة، كما تم تصديرها إلى عدد من الدول العربية والأوروبية، بفضل جودتها العالية وتميزها كمنتج يدوي أصيل.
اقرأ ايضا| مدبولي: قطاع المنسوجات والملابس الجاهزة يمثل ركيزة أساسية في تعزيز الصادرات المصرية
النسيج اليدوي الحقيقي أصبح نادرًا في الوقت الحالي، بينما لا تزال قرية النساجين بالكوثر تحتفظ بالطابع الأصلي لهذه الصناعة، التي تعتمد بالكامل على العمل اليدوي والخبرة المتوارثة.
وأشار إلى أن المهنة قادرة على إنتاج عشرات المنتجات المختلفة، منها المفارش، والملاءات، والكوفرتات، وفوط المطبخ، والملابس، والشيلان، وأقمشة الأثاث وأطقم الانتريهات، وغيرها من المنتجات التي تتميز بالجودة والدقة الفنية.

- موهبة صنعت شهرة واسعة
ويروي الحاج عبد الصبور العديد من المواقف التي تعكس قيمة هذه الحرفة، موضحًا أن فنانين وشخصيات عامة حرصوا على اقتناء منتجاته، كما كان السياح الأجانب يتابعون عمله بإعجاب شديد أثناء تنفيذ بعض الأعمال داخل المناطق الأثرية والمعابد.
ويؤكد أن الموهبة والخبرة الطويلة منحته القدرة على تنفيذ تصميمات خاصة حسب طلب العملاء، مشيرًا إلى أنه قام بتنفيذ أعمال يدوية دقيقة تحمل أسماء وشعارات وتصميمات خاصة باستخدام خيوط النسيج اليدوي.
- مطالب للحفاظ على المهنة
وطالب الحاج عبد الصبور الجهات المعنية بزيادة الاهتمام بصناعة النسيج اليدوي، وتوفير الدعم اللازم للحرفيين، وفتح منافذ جديدة للتسويق داخل مصر وخارجها، مؤكدًا أن هذه الصناعة تمثل مصدر رزق لمئات الأسر.
وأوضح أن قرية النساجين تضم نحو 150 منزلًا، وتعتمد آلاف الأسر بصورة مباشرة وغير مباشرة على هذه الحرفة في توفير دخلها اليومي، مطالبًا بالحفاظ على مساكن النساجين وعدم المساس بها، باعتبارها جزءًا من مشروع الحفاظ على التراث الحرفي بالمحافظة.

كما أشاد بجهود محافظة سوهاج في تطوير المحافظة وتحسين مستوى الخدمات، مؤكدًا أن الجميع يقدر ما يتم بذله من جهود في مختلف القطاعات، معربًا عن أمله في أن يحظى قطاع النسيج اليدوي بمزيد من الدعم والرعاية خلال الفترة المقبلة.
وأشار شيخ النساجين إلى أن مشغله شهد زيارة من رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، وهي الزيارة التي وصفها بأنها منحت العاملين بالمهنة دفعة معنوية كبيرة وأعادت تسليط الضوء على أهمية النسيج اليدوي كأحد أهم الصناعات التراثية المصرية.
أخميم.. مانشستر ما قبل التاريخ
وتعد مدينة أخميم من أقدم المدن المصرية التي اشتهرت بصناعة النسيج والحرير الطبيعي منذ العصر الفرعوني، حيث استخدم المصريون القدماء الأقمشة المصنوعة فيها في أعمال التحنيط والدفن.
كما عُرفت المدينة عالميًا بإنتاج الحرير الطبيعي والكتان الفاخر، وكانت خيوط كسوة الكعبة المشرفة تُجلب منها خلال الفترات التي كانت مصر تتولى فيها صناعة الكسوة وإرسالها إلى المملكة العربية السعودية سنويًا.

وبسبب ازدهار صناعة النسيج بها، أطلق المؤرخون على أخميم لقب "مانشستر ما قبل التاريخ"، تشبيهًا بمدينة مانشستر البريطانية التي اشتهرت عالميًا بصناعة الغزل والنسيج.
وفي أوج ازدهارها كانت أخميم تضم أكثر من أربعة آلاف نول يدوي يعمل عليها ما يزيد على عشرة آلاف نساج، قبل أن تتراجع المهنة تدريجيًا نتيجة ضعف التسويق وارتفاع تكاليف الإنتاج وتغير أنماط الصناعة الحديثة.
- صناعة تستحق الإنقاذ
ورغم التحديات التي تواجهها المهنة اليوم، لا يزال الحاج عبد الصبور هريدي وزملاؤه متمسكين بحلم إعادة النسيج اليدوي إلى مكانته التاريخية، مؤكدين أن سوهاج تمتلك كنزًا تراثيًا فريدًا لا يوجد له مثيل في كثير من دول العالم.
ويبقى الأمل معقودًا على دعم هذه الصناعة الوطنية العريقة، والحفاظ عليها من الاندثار، حتى تظل أخميم وسوهاج منارات للفن والإبداع والحرف اليدوية المصرية الأصيلة، وتنقل هذا التراث العريق إلى الأجيال القادمة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
الليث بن سعد.. حكاية عالم خرج من "قلقشندة" وخلده التاريخ
حكايات| من أون إلى مصر الجديدة.. 5000 عام من مدينة الشمس
قعر جهنم.. أسرار حفرة مرعبة أذهلت العلماء
«مهن الموت».. حكايات رجال دفعوا حياتهم ثمنًا لـ«لقمة العيش»
بردية إبيرس.. حكاية أول موسوعة طبية تكشف عبقرية المصري القديم
حكاية عمرها آلاف السنين.. كيف تحول "عيد بذر القمح" الفرعوني إلى طبق عاشوراء؟
حكاية القصر الذي شهد مجد صاحبه ونهايته المأساوية
"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر
أوتار الحضارة الخالدة.. رحلة الموسيقى والإبداع عبر آلاف السنين








