محمد درويش يكتب: شهداء ثقافة الاستهانة

محمد درويش

الخميس، 02 يوليه 2026 - 06:36 م

الأخبار

الراحل د. سمير نعيم أحد رواد علم الاجتماع أرسل لنا مقالًا منذ سنوات تحت هذا العنوان «ثقافة الاستهانة». عادة ما يعود هذا المصطلح إلى الذاكرة مع كل حادث أيًا كان نوعه اعتمادًا على التواكل وليس التوكل الذى أساسه «اعقلها وتوكل». سقطت الصخرة فى منشأة ناصر عام ٢٠٠٨ وراح ضحيتها الكثيرون من أصحاب العشش التى كانت أسفلها. وقامت الدنيا ولم تقعد وتبارى الخبراء يحذرون وتم إنشاء مساكن حضارية لهؤلاء فى قطعة أرض تم اختيارها فى نفس المكان وهرع من هم ليسوا بأصحاب حق قبل أصحاب الحق لينهلوا من الغنيمة وباع معظمهم الوحدات وأنشأوا عششًا فى نفس المكان فربما تتهيأ الظروف لتقدم لهم الدولة وحدة سكنية حضارية أخرى بعد التى حصلوا عليها من قبل. استهانت الدولة منذ عقود حيث لم تمتد مظلة التنمية وخاصة فى المحافظات الطاردة وأصبحت القاهرة هى الملجأ والملاذ وكانت بمثابة وجهة للهجرة إليها كأنها وجهة دول الخليج التى شطر الملايين وجهتهم إليها. انتشرت العشوائيات على أطراف كل الأحياء المسماة بالراقية وأصبحت حزامًا يحيط بها ولجأ تجار الأراضى إلى بيعها بوضع اليد رغم أنها أراضى دولة، عرض الشارع فى هذه المناطق لا يسمح إلا بمرور سيارة خاصة فما بالنا بسيارات مطافئ أو إسعاف، دعك من الظواهر الاجتماعية المتمثلة فى تأجير غرف الوحدة السكنية الواحدة وتداعياتها الكارثية على قيم وأعراف مجتمعنا العريق، غاب التخطيط وغابت المتابعة إلى أن صارت هذه المناطق أمرًا واقعًا وتحت ضغط هذا الأمر دخلت المرافق. بذلت الدولة جهدًا كبيًرا خلال السنوات الماضية وبدأت بالأماكن ذات الخطورة الداهمة وأنفقت المليارات من أجل إنقاذ الإنسان فى مسار واحد مع الإنشاءات المعمارية الحضارية. ولأن المشوار ما زال طويلًا فكان ولا بد أن تظهر مثالب هذه الثقافة ولو كل حين ليدفع ثمنها ضحايا حتى لو كانوا يؤدون واجبهم كما حدث أخيرًا فى عقار منشية ناصر وكما حدث منذ ما يزيد على عشرين عامًا فى عمارة عباس العقاد. تنحنى الجبال أمام عظمة ما أداه شهداء الحماية المدنية ودفعوا أرواحهم ثمنًا لإنقاذ غيرهم من البشر الذين لم يلتزموا وهم يشيدون العقارات ويحولونها إلى مخازن والاستهانة بشروط الدفاع المدنى والإجراءات المطلوبة. رحم الله اللواء دكتور محمد الشربينى مدير إدارة الحماية المدنية ورفاقه. رحم الله رجلًا كان يمكن بحكم منصبه أن يدير الواقعة من مكتبه ولكنه أبى وظل بين رجاله ليلقى ربه راضيًا مرضيًا بإذن الله وكأن واقعة استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض كانت النموذج الذى اقتدى به فلقيا ربهما وسط رجالهما ليقدما أروع نماذج التضحية والفداء.