د. ممدوح سالم
د. ممدوح سالم


د. ممدوح سالم يكتب: وعى اليقين

الأخبار

الخميس، 02 يوليه 2026 - 07:23 م

عاد منكسرًا، ركن إلى زاوية فى حجرته التى حجبت عن إطلالة الطريق إلا من نافذة لا يتجاوز عرضها مقدار شبرين من حجم يده الصغيرة، لكنها كافية أن تفتح له المدى عبر تأمله الموصول فى كتاب الله ما ضاقت عليه وأحكمت الشدائد قبضتها..

تذكر قوله تعالى من سورة الكهف: «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ»، استشعر جمال السياق وإعجاز التركيب فى الجمع بين متضادين، تساءل فى يقين: كيف «الكهف» الضيق المحاصر إلا من نافذة دخول للاجئين إليه يكون الطلب بالأمر «فأووا»، وكيف النتيجة «ينشر» التى لا تكون إلا بمقتضى مساحة واسعة..

هنا تذكر معنى «اللطيف» الذى أحكم كل شيء بميزان دقيق، وأدرك دلالة «الرحيم» الذى وسعت رحمته كل شيء، فأخرج أهل الكهف من حلق الضيق إلى رحابات الطريق حين توسدوا باليقين فناموا مطمئنين.

إن هذا التقابل الإعجازى بين ضيق «الكهف» وسعة «النشر» ليس مجرد حدث تاريخى عابر، بل هو قانون روحى مضطرد يمسح على قلب كل منكسر. فالإيواء إلى الكهف لم يكن هروبًا من مواجهة الوجود، بل كان انسحابًا واعيًا لإعادة صياغة العلاقة مع صاحب الوجود؛ حمايةً للفكرة، وصيانةً للعقيدة من عسْف الواقع الظالم وتشويهه.

وهنا ينجلى «وعى اليقين» فى أبهى صوره؛ إذ ينعتق الإنسان من أسر الحواس المادية وحساباتها الضيقة، ليلج فضاء المعية الإلهية. حينها، يتحول الكهف الموحش فى جغرافية الأرض إلى واحة فسيحة فى جغرافية الروح، وتتحول تلك النافذة التى لا تتجاوز الشبرين إلى أفق يمتد بلا نهاية.

إن العزلة بالله ليست انقطاعًا عن الحياة، بل هى استمداد للقوة؛ لتصير النتيجة الحتمية للاستسلام الواثق بأمر «فأووا»، هى الامتداد الفسيح بوعد «ينشر». وهى ثنائية إيمانية فريدة تُعلّمنا أن ضيق الأماكن والظروف يتلاشى تمامًا عندما تتسع الصدور باليقين، وأن من آوى إلى ركن اللطيف الرحيم، نبتت فى قلبه طمأنينة لا تزعزعها عواصف الدنيا، ولو أحكمت الشدائد قبضتها.

 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة