كأس العالم 1962.. من أنقاض أقوى زلزال إلى «معركة سانتياجو»

كأس العالم 1962

الجمعة، 03 يوليه 2026 - 01:39 م

إيمان حسين

قبل أشهر قليلة من أزمة الصواريخ الكوبية التي وضعت العالم على حافة حرب نووية، كانت تشيلي تستعد لاستضافة حدث رياضي استثنائي، وبين 30 مايو و17 يونيو 1962، احتضنت البلاد النسخة السابعة من كأس العالم لكرة القدم، في بطولة تحدّت الكوارث الطبيعية، وشهدت واحدة من أعنف المباريات في تاريخ المونديال، كما رسخت مكانة البرازيل قوةً كروية لا تقهر، وقدمت للعالم نجما خطف الأضواء بعدما غاب بيليه عن المشهد.   اقرأ أيضا| من إرث عنترة وعبلة إلى اليوم.. أين يعيش أبناء قبيلة بني عبس؟ وشهدت البطولة مشاركة 16 منتخبا يمثلون ثلاث قارات، من بينها بلغاريا وكولومبيا اللتان سجلتا ظهورهما الأول في كأس العالم، بينما دخل المنتخب البرازيلي المنافسات حاملا لقب نسخة 1958، ساعيا إلى الاحتفاظ بالكأس للمرة الثانية على التوالي. البطولة التي تحدت أقوى زلزال في التاريخ قبل انطلاق المونديال بعامين، تعرضت تشيلي لكارثة غير مسبوقة، بعدما ضربها زلزال فالديفيا في 22 مايو 1960، بقوة بلغت 9.5 درجات على مقياس ريختر، ولا يزال حتى اليوم أقوى زلزال سجلته أجهزة الرصد الحديثة. وخلف الزلزال آلاف الضحايا، وألحق دمارا هائلا بالمدن والبنية التحتية، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) سيجرد تشيلي من حق استضافة البطولة،إلا أن السلطات التشيلية نجحت في إعادة بناء وتأهيل الملاعب والمنشآت الرياضية خلال فترة وجيزة، لتثبت قدرتها على تنظيم الحدث العالمي في موعده، في واحدة من أبرز قصص التحدي في تاريخ الرياضة. "معركة سانتياجو".. المباراة الأكثر عنفا دخلت بطولة 1962 التاريخ أيضا بسبب المواجهة الشهيرة بين تشيلي وإيطاليا، التي أقيمت في الثاني من يونيو على ملعب سانتياجو، واشتهرت لاحقا باسم "معركة سانتياجو"،وشهدت المباراة أجواءً مشحونة منذ دقائقها الأولى، حيث تبادل اللاعبون اللكمات والركلات والتدخلات العنيفة، واضطر الحكم إلى طرد لاعبين من المنتخب الإيطالي، فيما تدخلت الشرطة أكثر من مرة داخل أرض الملعب لاحتواء الفوضى. ورغم الأجواء المتوترة، تمكن المنتخب التشيلي من الفوز بهدفين دون رد، قبل أن يواصل مشواره حتى الدور نصف النهائي، وينهي البطولة في المركز الثالث، وهو أفضل إنجاز حققه في تاريخ مشاركاته بكأس العالم. غياب بيليه وصعود غارينشا شكلت إصابة بيليه خلال مواجهة تشيكوسلوفاكيا ضربة قوية للمنتخب البرازيلي، خاصة أن لوائح البطولة في ذلك الوقت لم تكن تسمح بإجراء تبديلات، ما اضطر البرازيل إلى إكمال المباراة بعشرة لاعبين. لكن غياب النجم الأول منح الفرصة لغارينشا لقيادة "السيليساو"، فقدم مستويات استثنائية، وسجل أهدافًا حاسمة قادت منتخب بلاده إلى المباراة النهائية، ليصبح أحد أبرز نجوم البطولة، ويؤكد مكانته بين أساطير كرة القدم. وفي المقابل، حقق منتخب تشيكوسلوفاكيا أفضل إنجاز في تاريخه آنذاك ببلوغه النهائي، قبل أن يخسر أمام البرازيل بنتيجة 3-1، ليحتفظ المنتخب البرازيلي بلقب كأس العالم للمرة الثانية تواليا. ليف ياشين.. الحارس الذي لفت الأنظار إلى جانب غارينشا، برز الحارس السوفيتي ليف ياشين، الذي قدم أداءً مميزا وأسهم في وصول منتخب بلاده إلى الأدوار المتقدمة، ليواصل ترسيخ مكانته كأحد أعظم حراس المرمى في تاريخ اللعبة. لقطة طريفة لا تنسى ورغم المنافسة الشرسة، لم تخل البطولة من المواقف الطريفة، إذ اقتحم كلب أرضية الملعب خلال مباراة البرازيل وإنجلترا، وأربك اللاعبين الذين فشلوا في الإمساك به. وفي النهاية، تمكن غارينشا من تهدئة الكلب وحمله خارج الملعب وسط تصفيق الجماهير، في مشهد التقطته عدسات المصورين، وتحول لاحقا إلى واحدة من أشهر اللقطات الإنسانية في تاريخ كأس العالم، وبين الدمار الذي خلفه أقوى زلزال عرفه العالم، والعنف الذي شهدته بعض المباريات، والتألق اللافت لغارينشا، بقي مونديال تشيلي 1962 واحدا من أكثر نسخ كأس العالم تميزا، ليس فقط بسبب نتائجه، بل لما حمله من قصص إنسانية ورياضية صنعت فصلا استثنائيا في تاريخ اللعبة الأكثر شعبية في العالم.