حسابات سيئة السمعة
الأحد، 05 يوليه 2026 - 07:34 م
أحمد عباس
التكنولوجيا يمكنها أن تحصى الأرقام وتحذف الكلمات، لكنها لا تستطيع فهم البشر
الأرقام التى خرجت مؤخرًا تقول إنه فى مصر وعلى منصة واحدة فقط تم إيقاف نحو 357٫652 بثًا مباشرًا على تيك توك، وبأن المنصة حذفت أكثر من 2.3 مليون مقطع فيديو، وذلك خلال ربع سنة لعام واحد هو 2025، وذلك لمخالفتها الإرشادات.
هذه الأرقام الكبيرة فى ظنى تكشف أن طريقة استخدام المصريين للتطبيق تغيرت بشكل كبير؛ فالناس باتت تميل لـ»اللايف» والارتجال المباشر أمام الكاميرا بمخاطره، فيما يبدو لى كأنه من نتائج مجتمعية مهمة منها الجنون بحياة المشاهير والولع بالشهرة الحارقة.
فنيًا، المسألة هينة فلا داعى لكاميرا واستوديو ومونتير ومصورين ولا داعى لشيء ولا حتى موضوع ويكفى جدا أن يكون الهاتف ذكيًا بما يكفي، كأنه -اللايف- هرب من تعقيدات التصوير والمونتاج، أما مسألة التكسب من المشاهدات فهذا هو قلب القضية، ساعتها لا يهم ماذا تقدم والأهم كم كسبت.
أمام هذا التمدد العشوائى ومسائل عديدة، لم يكن منطقيا أبدا ان تكون الرقابة مجرد مراجعة تقنية دورية، بل تحول إلى استراتيجية بقاء تجارية ذكية وضمانة وقائية تضمن عبرها -المنصة- الأمان لنفسها من ناحية، ومن ناحية تتواءم مع السياسات والقوانين المحلية للبلدان، ذلك طبعا فى جميع أسواقها، لكن ماذا يحدث فى الأسواق ذات الحيوية والتأثير اقتصاديًا مثل مصر والسعودية والإمارات.
الأرقام أيضًا تشير إلى أن الأنظمة الآلية «الخوارزميات» باتت تتعامل بحزم أكثر، محققة معدل حذف استباقيا مهولا شمل 99.9% من المحتوى قبل تفاقمه، إلى جانب جهد عملاق لحماية الأطفال والمراهقين أزيل بسببها قرابة 24 مليون حساب لقُصّر دون السن القانونية عالميًا.
لكن وبرغم هذه الفلاتر الخوارزمية الذكية فانها تقع أحيانًا فى فخ الحظر الأعمى نتيجة عجزها عن استيعاب خصوصية النكتة مثلا أو السخرية المحلية، وهو ما يؤكده نجاح مئات الآلاف فى استرداد مقاطعهم بعد تقديم التماسات وهذه تردنا لمسألة مهمة هى ضرورة الرجوع لعنصر بشرى.
فالآلة، مهما بلغت درجة ذكائها الاصطناعى وتغذيتها بالبيانات، تظل عاجزة عن قراءة «المقصود»، كأنها تفتقر للحس الثقافى والقدرة على تفكيك «الشفرة الجينية» للمزاج الشعبي؛ فالنكتة المصرية مثلا، تعتمد فى كثير من الأحيان على التناقض، والمبالغة الساخرة، أو حتى «التهكم الذاتي» كآلية للدفاع النفسى والتعبير عن الواقع.
لكن الخوارزمية حين تلتقط كلمة حادة أو تعبيرًا مجازيًا يُستخدم فى سياق «الهزار الدارج»، فإنها تترجمه حرفيًا وتصنفه فورًا كـ «محتوى عنيف» أو «خطاب كراهية»، وتسارع بإيقافه دون وعى بالسياق.
هذا الاصطدام المتكرر بين جمود الخوارزمية ومرونة الثقافة المحلية يثبت أن «أنسنة الرقابة الرقمية» لم تعد رفاهية، بل هى ضرورة مُلحة لحماية حرية التعبير العفوية من جهة، وضمان عدالة الإنفاذ من جهة أخرى.
إن نجاح تلك الالتماسات واستعادة مئات الآلاف لمقاطعهم بعد مراجعات بشرية يعكس حقيقة واضحة: التكنولوجيا يمكنها أن تحصى الأرقام وتحذف الكلمات، لكنها لا تستطيع فهم البشر.
وفى النهاية يبقى التحدى الأكبر أمام هذه المنصات هو خلق هذا التوازن الحرج بين نموذج هجين حقيقى لا يكتفى بالاعتماد على الفلاتر الصماء، بل يتوجب الاستثمار فى عقول بشرية تفهم لغة الشارع، وتفرق بدقة بين الابتذال الذى يستوجب الحظر، وبين العفوية الإبداعية والسخرية الذكية التى تمنح الفضاء الرقمى روحه وحيويته، ودون أيضًا أن تُمس قيم الأسرة المصرية والتى انتهت أحيانًا بأحكام سجن وغرامات ضد صناع محتوى تجاوزوا الحدود، ودون أن تحذف محتوى مناسبا ثم تعيده وتترك الحساب من الحسابات سيئة السمعة.