حنان الصاوي تكتب: زوزو نبيل صوت الحكاية الذي صنع مجدًا لا يبهت
الإثنين، 06 يوليه 2026 - 12:06 م
حنان الصاوي
هناك فنانات يتركن أثرهن في الصورة، وأخريات يتركن أثرهن في الصوت… وزوزو نبيل كانت من النوع الثاني؛ ذلك النوع الذي لا يحتاج إلى حضورٍ صاخب أو ضوءٍ مبهر كي يُفرض على الذاكرة، بل يكفيه أن يتسلل بهدوء إلى الوجدان ويستقر هناك دون استئذان.
في ذكرى ميلادها، لا يبدو الحديث عن زوزو نبيل مجرد استعادة لسيرة فنية، بل هو أقرب إلى تأمل في معنى "الحضور المختلف" في الفن فهي لم تكن مجرد ممثلة تؤدي أدوارها، بل كانت حالة خاصة من الأداء، تمتلك قدرة نادرة على تحويل الصوت إلى شخصية كاملة، وإلى عالمٍ قائم بذاته، خاصة حين ارتبط اسمها بحكايات «ألف ليلة وليلة»، حيث أصبحت "شهرزاد" بصوتها أكثر من مجرد راوية… بل أيقونة سردية ممتدة في الذاكرة العربية.
لم تعتمد زوزو نبيل على بهرجة الأداء أو المبالغة، بل على عمق داخلي هادئ، يجعل الشخصيات التي تقدمها تبدو وكأنها قادمة من مكان بعيد، لكنه مألوف في الوقت نفسه. كانت تعرف كيف تترك مسافة بين الأداء والمتلقي، تسمح للمشاهد أو المستمع أن يشاركها بناء المشهد، لا أن يتلقاه فقط.
وربما لهذا السبب تحديدًا، ظل صوتها حيًا حتى بعد رحيلها في عام 1996 فبعض الأصوات لا تغيب، بل تتحول إلى جزء من ذاكرة الاستماع الأولى، تلك التي تتشكل في الطفولة وتبقى بلا تغيير.
في السينما والتلفزيون، لم تكن زوزو نبيل من الباحثات عن البطولة المطلقة، لكنها كانت دائمًا "الحضور الذي يثبت المشهد" الأم، الحكيمة، المرأة التي تحمل ثقل التجربة كلها أدوار بدت معها طبيعية، وكأنها لا تؤدي شخصية مكتوبة، بل تستعيد شيئًا من حياتها الداخلية.
ومع ذلك، فإن أهم ما يميزها لم يكن عدد الأدوار، بل نوع الأثر فهي من أولئك الفنانين الذين لا يقاس حضورهم بالكم، بل بكيفية بقاء أثرهم بعد انتهاء المشهد.
في زمن تتغير فيه أدوات التمثيل وتتسارع فيه الصورة، تبقى زوزو نبيل تذكيرًا بأن الفن في جوهره ليس سرعة ولا ضجيجًا، بل قدرة على الوصول إلى الداخل بهدوء، وترك علامة لا تُمحى بسهولة.
وفي ذكرى ميلادها، لا نستدعي اسمها فقط، بل نستدعي ذلك الصوت الذي كان يروي الحكاية، ثم ينسحب بهدوء ليتركنا وحدنا مع الخيال.