بطيخ قلابشو.. معايشة ميدانية ترصد معاناة المزارعين بعد موسم شاق
المزارعون في حالة حزن بسبب انهيار موسم البطيخ
الثلاثاء، 07 يوليه 2026 - 12:23 م
وائل المنجي
مع أول خيوط الفجر، وقبل أن تشتد حرارة الشمس فوق الأراضي الزراعية، كانت أصوات الزغاريد تتردد بين حقول البطيخ بمنطقة قلابشو التابعة لمىكز بالقاس بمحافظة الدقهلية، معلنة بدء موسم الحصاد الذي انتظره المزارعون لأشهر طويلة.
مشهد اعتادت عليه القرية عاما بعد عام، حيث تتحول الحقول إلى خلية نحل لا تهدأ، ويتجمع الرجال والنساء والأطفال للمشاركة في جمع المحصول الذي يمثل مصدر الرزق الرئيسي لعشرات الأسر.
في هذه القرية الزراعية، لا يبدأ موسم الحصاد يوم نزول العمال إلى الأرض فقط، بل يبدأ منذ شهور طويلة عندما يقرر الفلاح خوض مغامرة زراعة البطيخ، فيتحمل تكاليف تجهيز الأرض وشراء الشتلات ومستلزمات الري والأسمدة والمبيدات، ثم يقضي أياما وليالي في متابعة المحصول أملا في موسم جيد يعوض ما أنفقه طوال العام.
- شائعات على مواقع التواصل الاجتماعي
وخلال جولة ميدانية داخل حقول قلابشو، قامت بها "بوابة أخبار اليوم"، لتكشف حالة من القلق والحزن، بل والاستغاثة بالمسؤولين، من بعض المزارعين، رغم بدء موسم الحصاد، بعدما وجدوا أنفسهم هذا العام في مواجهة أزمات متلاحقة، بدأت بإشاعة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تنته عند حدود الخسائر التي تعرض لها بعض المزارعين داخل الحقول.
وخلال الأيام الماضية، تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعم أن المزارعين يخصصون جزءا معينا من محصول البطيخ لتناوله داخل منازلهم وكسر البطيخ في الأراضي الزراعية وانه فارغ من الداخل ، بينما يتم رش باقي المحصول بمبيدات مسرطنة قبل طرحه للبيع للمواطنين.
- مزارعون: بنأكل عيالنا منه ومش هنضيع شقانا بإيدينا
الفيديو أثار حالة من الجدل بين المواطنين وألقى بظلاله على الأسواق وحركة البيع والشراء، الأمر الذي تسبب في حالة غضب شديدة بين مزارعي القرية الذين أكدوا أن ما ورد فيه لا يمت للحقيقة بصلة.
اقرأ ايضا| الزراعة تحسم الجدل وتكشف حقيقة البطيخ المسرطن وسبب ارتفاع أسعاره
داخل الحقول، كان الرد مختلفا عن ردود مواقع التواصل الاجتماعي، فالمزارعون لم يتحدثوا عن منشورات أو تعليقات، بل تحدثوا عن شهور طويلة من التعب والعمل والإنفاق، وعن موسم يخشون أن تضيع ثماره بسبب معلومة غير دقيقة أو إشاعة غير موثقة.
وقال مرزوق احد مستأجرين الأرضي لزراعة البطيخ: "والله يا جماعة إحنا تعبنا طول السنة وطول عمرنا شقيانين، بنصحى من الفجرية وبنرجع آخر الليل، كل تعبنا عشان ولادنا، والاخر تطلع إشاعة عارية تماما من الصحة تدمرنا وتضيع تعبنا، ده ميرضيش ربنا أبدا".
وأضاف أن الفلاح لا يملك سوى محصوله الذي ينتظره طوال الموسم، وأن أي شائعة قد تؤثر على حركة البيع وتلحق أضرارا مباشرة بالأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رزق أساسي.
بينما تحدثت زوجته بحالة من التأثر الشديد قائلة: "اللي يضرنا ربنا يضره، والله العظيم الفيديو ده واحد تاجر مواشي هو اللي عايز يدمر رزقنا، إحنا بناكل من البطيخ ونأكله لعيالنا قبل ما نبيعه، ولو وحش أو مرشوش مش هنأكل عيالنا منه، إحنا نعرف ربنا وعمرنا ما نضر غيرنا أبدا.. كلو البطيخ على ضمانتي".
- "بطيخ قلابشو" يتمتع بسمعة جيدة
وأكد عدد من المزارعين أن سمعة "بطيخ قلابشو" لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة سنوات طويلة من العمل والالتزام وجودة المنتج، مشيرين إلى أن التجار كانوا يتوافدون على القرية من مختلف محافظات الجمهورية للحصول على المحصول.
وأوضحوا أن "بطيخ قلابشو" اشتهر بطعمه المميز وجودته العالية ورقة سمك القشرة ونضجه الطبيعي، وهو ما جعله مطلوبا في الأسواق على مدار سنوات طويلة.
وقال عدد منهم إن تجارًا من الإسكندرية والعريش وأسيوط والأقصر وأسوان ومحافظات أخرى اعتادوا الحضور إلى القرية لشراء المحصول، لما يتمتع به من سمعة جيدة بين التجار والمستهلكين.
لكن بعيدا عن أزمة الإشاعة، كشف المزارعون عن أزمة أخرى يرون أنها الأكثر تأثيرا على مستقبل الزراعة داخل المنطقة، وهي الخسائر التي تعرض لها عدد من الحقول خلال الموسم الحالي.
- مطالب بالاستماع لشكاوى المزارعين والوقوف على أسباب الخسائر
المثير في الأمر أن المزارعين أنفسهم لا يملكون إجابة حاسمة حول السبب الحقيقي وراء تلك الخسائر. فبينما يرى البعض أن السبب قد يكون مرتبطا بالشتلات التي تم استخدامها مع بداية الموسم، يعتقد آخرون أن بعض المبيدات التي استخدمت خلال مراحل الزراعة المختلفة ربما يكون لها تأثير على المحصول، في حين يرجح فريق ثالث أن التغيرات الجوية والرياح التي تعرضت لها المنطقة خلال فترات معينة ربما لعبت دورا في ما حدث.
ويؤكد المزارعون أن بعض النباتات لم تحقق معدلات النمو الطبيعية التي اعتادوا عليها في المواسم السابقة، كما أن بعض الثمار لم تصل إلى الأحجام والإنتاجية التي كانت متوقعة عند بداية الموسم، فضلا عن أن بعض الزراعات شهدت تباطؤا في النمو خلال مراحل مختلفة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الإنتاج النهائي.
اقرأ ايضا| طبول تدق ومزادات لا تتوقف.. رحلة البطيخ من الصحراوي إلى وكالة الحضرة
وفي حديث اتسم بالانفعال، طالب المزارعين، وزير الزراعة ومسؤولي الإرشاد الزراعي بالنزول إلى الحقول والاستماع إلى شكاوى المزارعين والوقوف على أسباب الخسائر التي تعرضوا لها خلال الموسم الحالي.
- تشديد الرقابة على الجمعيات الزراعية
كما طالبوا بمراجعة منظومة بيع المبيدات الزراعية وتشديد الرقابة على الجمعيات الزراعية ومحلات بيع المبيدات، والتأكد من أن جميع الجهات التي تتعامل مع المزارعين تعمل بصورة قانونية وتمتلك التراخيص اللازمة والخبرة الكافية.
وأكدوا أن المزارع البسيط لا يستطيع دائما التفرقة بين المنتج الأصلي والمنتج المغشوش، خاصة في ظل تعدد المنتجات المتداولة داخل الأسواق الزراعية، بالإضافة إلى ضرورة التأكد من جودة المبيدات الزراعية ومطابقتها للمواصفات والتركيزات المدونة على العبوات، حفاظا على المحاصيل الزراعية وأموال المزارعين.
كما طالبوا بتفعيل دور الإرشاد الزراعي بصورة أكبر داخل الحقول، وعدم الاكتفاء بالمتابعة المكتبية، حتى يكون هناك تواصل مباشر مع المزارعين ورصد المشكلات التي تواجههم على أرض الواقع.
ويقول عدد من المزارعين إن ما حدث هذا الموسم يحتاج إلى دراسة فنية متخصصة للوصول إلى السبب الحقيقي، حتى لا تتكرر الأزمة خلال المواسم المقبلة، فضلا عن أن الوصول إلى الحقيقة أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لتعويض الخسائر الحالية، ولكن أيضا لحماية آلاف الأفدنة الزراعية التي يعتمد عليها مئات المزارعين وأسرهم.
- تساؤلات تحتاج إلى إجابة لمعرفة سبب الأزمة
وفي نهاية الجولة، هناك أسئلة معلقة داخل حقول قلابشو دون إجابة قاطعة:
- هل كانت الشتلات التي تم شراؤها مع بداية الموسم هي السبب فيما حدث؟
- أم أن بعض المبيدات المستخدمة خلال مراحل الزراعة المختلفة كان لها تأثير على نمو النباتات؟
- أم أن سوء الأحوال الجوية والرياح الشديدة التي تعرضت لها الزراعات خلال فترات معينة من الموسم لعبت الدور الأكبر في تلك الخسائر؟
أسئلة يطرحها المزارعون اليوم على الجهات المختصة، أملا في الوصول إلى إجابات واضحة ومعلنة تستند إلى الفحص العلمي والرأي الفني، حتى يعرف كل مزارع ماذا حدث لمحصوله، وكيف يمكن تجنب تكرار تلك الخسائر مستقبلا.
وبين فرحة الحصاد التي ما زالت تتردد أصداؤها في الحقول، وبين القلق الذي يسيطر على المزارعين وهم يتابعون نتائج موسمهم، تبقى قلابشو في انتظار إجابة قد تحدد مصير مواسم قادمة، وتحسم الجدل الدائر حول أسباب الخسائر التي تعرض لها محصول يعد واحدا من أشهر المحاصيل التي عرفت بها القرية على مدار سنوات طويلة.