الضمائر الحية وضمائر الحية
الثلاثاء، 07 يوليه 2026 - 08:19 م
الأخبار
فى كل ركن من أركان حياتنا، صار للهاتف المحمول حضور لا يغيب وعين لا تنام، فتحول من أداة للتواصل إلى راصد دقيق لكل ما يدور حوله، وذاكرة رقمية تنشر المشهد بعد دقائق ليشاهده الملايين. وقد وجد المجتمع المصرى فى الكاميرا صوتاً يعبر عن غضبه، فصارت يداً ممدودة للضحايا الذين خنقتهم الجدران الصامتة، حتى أصبح المحتوى المُصوَّر دليلاً معتمداً تنتهى به محاكمة مرتكب الواقعة.
غير أن هذه الصورة الوردية تخفى وجهاً قاتماً، إذ تتحول مواقع التواصل إلى ساحة محاكمة شعبية يسقط فيها مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وتُختزل صورة الوطن فى مقاطع تشوّه سمعته السياحية والاستثمارية. وتطل من خلف الشاشات قصص مأساوية لفتيات أنهين حياتهن، وأسر تفككت تحت ضغط فضيحة رقمية كان يمكن احتواؤها بهدوء.
ولا يقل خطورة عن ذلك أن أصحاب كاميرات المراقبة المنتشرة فى الشوارع والمحلات والمؤسسات، يتجاوزون وظيفتها الأصلية فى حماية الأماكن وكشف الجرائم، فينشرون مقاطعها على المنصات الرقمية طلباً للشهرة، دون استئذان من ظهروا فيها.
والحل يكمن فى تنظيم ذكى متوازن، كإنشاء قنوات بلاغ رقمية رسمية تُلزم بالرد خلال مدة قصيرة، مع رقابة داخلية صارمة وتقارير دورية شفافة، لتصبح مصفاة تفرز النيات قبل الأفعال، فمن يبتغى الإصلاح يجد ضالته فيها، ومن يلهث وراء الترند ينكشف أمره. وتمتد المسئولية القانونية لأصحاب كاميرات المراقبة، فيُجرَّم نشر مقاطعها دون إذن صريح ممن يظهرون فيها، وتُنظَّم بضوابط تشمل تسجيلها لدى السلطات وتقييد الاطلاع على محتواها.
ويُسند ذلك توعية مجتمعية ومادة للأخلاقيات الرقمية فى المناهج المدرسية.
فالناس فى تعاملهم مع هواتفهم صنفان، ضمائر حية تضيء عتمة الواقع بنور صدقها، وضمائر الحية تنهش لحوم الأبرياء لتطعم بها هوس الشهرة.
استشارى إدارة الأعمال