الأولى على دفعتها.. "سميرة" قصة نجاح صنعتها الإرادة
رئيس جامعة القناة خلال استقباله الطالبة المتفوقة
الأربعاء، 08 يوليه 2026 - 08:43 م
بوابة أخبار اليوم
الإسماعيلية - فتحي البيومي
- رفضت المعاملة الخاصة وأردت أن أكون مثل الجميع
- أبي هو صاحب الفضل الأول في كل نجاح حققته
- الإعاقة لم تمنعني من تحقيق المركز الأول
- أحلم بسيارة مجهزة لأواصل رحلتي نحو النجاح
- والد سميرة: حملتها على كتفي وسنوات التعب انتهت بلحظة فخر لا تُوصف
في كل مجتمع قصص لا تروى بالأرقام ولا تقاس بالشهادات، بل تكتب بالإرادة والصبر والإيمان بأن المستحيل مجرد كلمة، ومن بين هذه القصص تبرز حكاية "سميرة"، ابنة الإسماعيلية، التي لم تسمح لإعاقتها بأن ترسم حدود مستقبلها، بل جعلت منها نقطة انطلاق نحو التفوق والنجاح.
بين طرق ريفية وعرة، وكتفي أب حمل حلم ابنته قبل أن يحملها إلى المدرسة، وُلدت رحلة استثنائية انتهت بتصدرها دفعتها بكلية التجارة بـ جامعة قناة السويس، لتصبح نموذجًا حيًا يؤكد أن العزيمة أقوى من كل العقبات، وأن الأسرة الداعمة قادرة على صناعة المعجزات، وأن الإرادة حين تقترن بالاجتهاد تفتح أبوابًا ظن كثيرون أنها موصدة.
- عزيمة وإصرار تتوج بالتفوق
وضعت "سميرة"، ابنة محافظة الإسماعيلية، حلمها نصب عينيها، وجعلت من التحديات حافزًا للمضي قدمًا. لم تستسلم لظروفها، ولم تسمح للعقبات بأن تعترض طريقها، بل آمنت بأن الاجتهاد هو السبيل الوحيد لتحقيق طموحها، حتى تحقق الحلم، وتوجت مسيرتها بحصولها على المركز الأول على دفعتها بكلية التجارة بـ جامعة قناة السويس.
ولم يك تفوق "سميرة" مجرد نجاح أكاديمي، بل كان انتصارًا للإرادة على الصعاب، ورسالة أمل لكل من يواجه تحديات الحياة. فقد خاضت رحلتها بإصرار وثبات، وتجاوزت كل العقبات بعزيمة لا تلين، لترسم الفرحة على وجوه أسرتها التي شاركتها رحلة الكفاح بكل ما حملته من تعب ومشقة.
- بداية رحلة كفاح الطالبة المتفوقة
في ضواحي الإسماعيلية، حيث تمتد مزارع المانجو على مد البصر، وتشقها طرق وعرة غير ممهدة، وتغيب وسائل المواصلات وأبسط سبل الراحة، بدأت رحلة "سميرة"، ابنة الثانية والعشرين، مع الحياة، رحلة لم تكن سهلة، لكنها علمتها منذ سنواتها الأولى أن الإرادة قد تكون أقوى من كل الصعوبات.
تقول سميرة: "ولدت بهذه الإعاقة، فهي إعاقة خلقية صاحبتني منذ ميلادي، ولم تكن نتيجة حادث أو مرض. وربما يتساءل البعض: هل تركني أهلي دون علاج؟ والحقيقة أن هذا الاعتقاد بعيد تماما عن الواقع. فقد بذل والداي كل ما في وسعهما من أجل علاجي، وطرقا أبواب الأطباء أملا في تحسن حالتي، وأنفقا الكثير من الوقت والجهد بحثا عن بصيص أمل".
وواصلت: "لكن مع مرور السنوات اعتدت التعايش مع إعاقتي، وأصبحت أكثر تقبلا لها، حتى إنني طلبت من أسرتي التوقف عن رحلة العلاج، لأنني قادرة على الاعتماد على نفسي وإنجاز شؤوني اليومية. ولم أعد أرى جدوى من تكرار زيارة المستشفيات أو الخضوع لعمليات جراحية قد لا تحقق النتيجة المرجوة".
وتضيف: "لم أنظر إلى إعاقتي يوما على أنها نهاية الطريق، بل اعتبرتها اختبارا منحني قوة وإصرارا على مواصلة حياتي. كنت أؤمن دائما بأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يعجز عنه، وإنما بما يستطيع أن ينجزه رغم كل الظروف."
- إرادة تتحدى الإعاقة
لم تكن الإعاقة بالنسبة لـ "سميرة" نهاية الطريق، بل كانت الشرارة الأولى التي أشعلت داخلها إرادة التحدي. فكلما ترددت على مسامعها عبارات العجز واليأس، ازداد يقينها بأنها قادرة على إثبات العكس.
وتروي "سميرة" بداية رحلتها قائلة: "حين كثر الحديث عن أنني لن أستطيع خوض معترك الحياة أو أن أعيش حياة طبيعية، تولد داخلي يقين بأنني قادرة على النجاح، وأن علي أن أحطم تلك المعتقدات وأواجه الظروف مهما كانت قاسية. لذلك طلبت من والدي أن يلحقني بإحدى مدارس التعليم الابتدائي العادية، وليس بمدارس الدمج أو مدارس ذوي الهمم، لأنني كنت أريد أن أخوض التجربة مثل أي طفل آخر".
وتضيف: "وجدت في المدرسة معاملة إنسانية راقية من المعلمين، حتى إنهم عرضوا علي معاملة خاصة تيسيرا لظروفي، لكنني رفضت ذلك، وأصررت على أن أكون مثل باقي زملائي، لي ما لهم وعلي ما عليهم، وقد احترم معلمي رغبتي وتعاملوا معي على هذا الأساس".
وتابعت: "كانت المعاناة الحقيقية من نصيب أسرتي، فنحن نعيش في منطقة تفتقر إلى وسائل المواصلات، وكان والدي يحملني على كتفيه كل صباح ليصل بي إلى المدرسة، غير عابئ بمشقة الطريق أو بعد المسافة. وكان البعض يلومه قائلا: لماذا ترهق نفسك؟ يكفي أن توفر لها المأكل والملبس. لكنه كان يبتسم بثقة ويجيبهم: سأعلمها، وسيأتي اليوم الذي أراها فيه شيئا عظيما، وقد كان ذلك الوعد هو الوقود الذي منحني القوة لأواصل طريقي حتى النهاية".
- الأب كلمة السر في مسيرة النجاح
لم يكن والد سميرة مجرد أب يؤدي واجبه تجاه ابنته، بل كان السند الحقيقي الذي آمن بقدراتها منذ اللحظة الأولى، وقرر أن يكون شريكها في رحلة التحدي، مؤمنا بأن الإعاقة لا يمكن أن تقف حائلا أمام العلم والطموح.
وذكرت الطالبة المتفوقة: "كما ذكرت من قبل، كان والدي يحملني على كتفيه يوميا ليصل بي إلى المدرسة، ومع مرور الوقت اشترى "حمار" ليسهل رحلة الذهاب والعودة، ثم تحول إلى عربة كارو، وبعدها إلى دراجة نارية (تروسيكل)، وكان يطور وسيلة الانتقال كلما استطاع، حتى يخفف عني مشقة الطريق ويضمن استمراري في الدراسة".
وتضيف "سميرة " لم تتوقف مساندة والدي عند توفير وسيلة للذهاب إلى المدرسة، بل ظل داعمي الأول طوال رحلتي التعليمية، من المرحلة الابتدائية وحتى تخرجي في الجامعة بتفوق. والأهم من ذلك أنه رباني بطريقة مختلفة؛ فلم يعاملني يوما باعتباري من ذوي الهمم، بل كإنسانة طبيعية لها حقوق وعليها واجبات، فإذا أخطأت عاقبني، وإذا اجتهدت شجعني. هذه التربية غرست داخلي الثقة بالنفس، وجعلت روح التحدي تكبر يوما بعد يوم، حتى أصبحت الإعاقة بالنسبة لي مجرد تفصيل لا يقف أمام تحقيق أحلامي".
- صعوبات وتحديات
ورغم أن "سميرة" نجحت في تجاوز كثير من العقبات، فإن الطريق لم يكن مفروشا بالورود، بل شهد محطات قاسية تركت أثرا عميقا في مسيرتها، وكان أصعبها تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن حلم عمرها يبتعد عنها رغم تفوقها.
وتروي "سميرة" قائلة: "لقد واجهت خلال سنوات الدراسة تحديات وصعوبات كثيرة، لكن هناك موقفا لا يمكن أن أنساه، لأنه كان نقطة فاصلة في حياتي. فقد حصلت في الثانوية العامة على مجموع يؤهلني للالتحاق بكلية الطب، وهو الحلم الذي طالما سعيت إليه، وبالفعل وصلتني بطاقة الترشيح للكلية، وظننت أن سنوات الاجتهاد قد أثمرت أخيرا".
اقرأ ايضا| اعتماد نتيجة بكالوريوس التجارة بجامعة قناة السويس
وتابعت" "لكنني اصطدمت بواقع مؤلم، إذ حالت إعاقتي دون الالتحاق بكلية الطب، فتبدد حلم ظل يرافقني لسنوات. كانت لحظة قاسية، لكنها لم تكن نهاية الطريق، فأدركت أن الأحلام لا تموت، وإنما قد تغير وجهتها. لذلك قررت أن أمنح حلمي فرصة جديدة في ثوب آخر، فالتحقت بكلية التجارة، وبدأت رحلة جديدة أثبت خلالها أن النجاح لا تحدده الكلية التي ندرس بها، بل تحدده الإرادة والإصرار على التفوق".
- رسائل من قصة نجاح ملهمة
وجهت "سميرة" رسالة إلى ولدها قائلة: "مهما تحدث لن أوفي والدى حقه فقد كان الداعم الأكبر وصاحب الفضل وأن كنت قد نجحت فهذا النجاح ينسب لأبي، وقد كنت أتعجب من اللواتى يوفر لهن آبائهن كل سبل الرفاهية ولم يقدموا ما يقابل ذلك من نجاح وتفوق".
كما توجهت سميرة بالشكر لأسرتها قائلة: "كل الشكر والتقدير، فقد كانت أسرتى في المرحلة التالية لأبي في تحقيق ما وصلت إليه، حيث توفير المناخ المناسب والدعم الذي جعلنى أقوى يوما عن يوم".
اقرأ ايضا| إرادة تتحدى الإعاقة.. ذوي الهمم أبطال الشهادة الثانوية الأزهرية بالغربية
ولم تنس "سميرة" أساتذتها ومعلميها في جميع المراحل الدراسة، بدءًا من المرحلة الابتدائية، وحتى إنهاء التعليم الجامعي قائلة: "لم أجد يومًا معاملة أحن وأفضل من معاملة أساتذتى، فقد كانوا دعما في كل مشكلات الحياة، وليس ما يخص دراستى فقط".
- والد سميرة: ابنتي نموذج ملهم للشباب
عن شعوره بتفوق ابنته يقول "السيد إبراهيم " والد سميرة: "كل الكلمات التى قد انطلق بها لا توصف فرحتى بشكل كاف، فنجاح سميرة تشعرني بتحقيق حلمي الذي لم احققه، وفرحة كل أب بنجاح نجله لا يضاهيها فرح، ما بالنا نحن وقد مررنا بسنوات عجاف عانينا فيها من الصعاب ما لم يتحمله بشر، فرحلة دراسة سميرة كانت أشبه بتحقيق المستحيل، ليس لأنها ابنتى بل لأنها تستحق فسميرة تعد نموذجا ملهما لكل الشباب، وإثباتا قويا أنه لا شئ مستحيل مع الإرادة القوية،
واختتمت سميرة حديثها مع "بوابة أخبار اليوم" قائلة: "أمنيتي ومطلبي الوحيد من الأب والقائد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن يوفر لي سيارة مجهزة، حتى أستطيع إكمال رحلتى وتعظيم حلمي".