قرية أهل القرآن.. كيف أصبحت "حصة شبشير" مصنعًا لحفظة كتاب الله؟
الخميس، 09 يوليه 2026 - 03:40 م
بوابة أخبار اليوم
الغربية - ماجدة شلبي
منذ نصف قرن، عُرفت "حصة شبشير" بأنها قرية أهل القرآن قرية لا ينقطع فيها صوت التلاوة من البيوت والمساجد ومكاتب التحفيظ، هنا يكبر الطفل وهو يسمع القرآن قبل أن يتعلم القراءة، ويحفظ السور الأولى قبل أن يدخل المدرسة.
ومع مرور الوقت، جاءت فكرة المسابقة السنوية الكبرى، لتصبح نقطة تحول فارقة في حياة مئات الأطفال والشباب، المسابقة التي تُقام تحت رعاية الجمعية العلمية الأزهرية، نجحت في أن تصنع نموذجًا فريدًا في ربط الأجيال الجديدة بكتاب الله، عبر منظومة دقيقة من الاختبارات والمستويات والتحكيم العلمي المتخصص.
- قرية تتنفس القرآن منذ نصف قرن
تبدأ المنافسة من مستويات حفظ الأجزاء الصغيرة، ثم تتدرج حتى حفظ القرآن الكريم كاملًا مع وجود مستوى خاص للمتميزين من أصحاب الأداء المتقن في الحفظ والتجويد ومستويات الحفظ تبدأ من ثلاثة أجزاء ثم سبعة أجزاء ثم نصف القرآن والمستوي الأول هو حفظ القرآن الكريم كاملا .
اقرأ ايضا| من الكتاتيب إلى الجامعات.. "حصة شبشير" تكتب نموذجًا فريدًا في بناء الإنسان
وتتفاوت الجوائز علي حسب ترتيب كل متسابق فتبدأ الجائزة الأولي برحلات عمرة لأصحاب المستوي الأول ثم مبالغ مالية مجزية ثم شهادات تقدير وكل الجوائز بجهود وتبرعات أهل القرية تقديرا وامتنانا لقريتهم المباركة، لكن الأهم من الجوائز والشهادات هو ما تصنعه المسابقة داخل النفوس.
- من الحفظ إلى صناعة الشخصية
يقول أحد أولياء الأمور من أبناء القرية: "المسابقة غيرت أولادنا تمامًا طول السنة الأطفال مستنيين ميعادها وكل واحد عايز يثبت نفسه ويحفظ أكتر بقينا نشوف روح تنافس جميلة جدًا بينهم وكل طفل عنده هدف واضح". ويضيف ولي أمر آخر: "أجمل حاجة إن التحدي هنا مش بيخلق ضغط سلبي بالعكس بيخلق طموح الطفل لما يشوف زميله حفظ خمسة أجزاء يتحمس هو كمان ويحاول يوصل لأكتر من كده".
داخل القرية لا يوجد بيت تقريبًا إلا وله قصة مع المسابقة طفل بدأ بثلاثة أجزاء ثم أتم الحفظ أو شاب كان مترددًا ثم أصبح من المتميزين في التلاوة أو أسرة كاملة أصبح القرآن جزءًا من يومها بسبب هذه المنافسة المباركة.
ويرى كثير من الأهالي أن المسابقة لم تنعكس فقط على مستوى الحفظ بل أثرت بصورة مباشرة على التفوق الدراسي والسلوك العام للأبناء. ومن بين أبرز الأسماء التي تحدثت في هذا الشأن الدكتور عبد الفتاح خضر عميد كلية القرآن الكريم جامعة الأزهر، أحد أبناء قرية حصة شبشير.
- قصص نجاح تتكرر في كل بيت
وأكد ان مسابقة حصة شبشير السنوية الكبرى لحفظ القرآن الكريم تمثل واحدة من أعظم النماذج المشرفة في خدمة كتاب الله لأنها لم تكن يومًا مجرد مسابقة موسمية تُقام ثم تنتهي بل أصبحت على مدار عقود مشروعًا قرآنيًا وتربويًا متكاملًا أسهم في صناعة أجيال كاملة تربت على حفظ القرآن وإتقانه والعمل.
وأضاف: "ما يميز هذه القرية أن علاقتها بالقرآن ليست علاقة مناسبات بل هي علاقة حياة ممتدة عبر أجيال متعاقبة فالقرآن حاضر في البيوت وفي الكتاتيب وفي المساجد وفي وجدان الناس جميعًا وهو ما صنع هذه الهوية الفريدة لحصة شبشير".
وتابع: "لقد أثبتت التجربة أن الارتباط المبكر بالقرآن الكريم ينعكس بصورة واضحة على شخصية الأبناء فيمنحهم الانضباط ويغرس فيهم الصبر والاجتهاد ويصنع لديهم القدرة على التفوق العلمي والتميز الأخلاقي ولذلك لم يكن غريبًا أن تخرج هذه القرية هذا العدد الكبير من العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات وحفظة كتاب الله".
- شهادة علماء الأزهر: مشروع تربوي قبل أن يكون مسابقة
وأكد أن المسابقة لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ روح التنافس الشريف بين أبناء القرية قائلًا: "هذه المنافسة المباركة خلقت حالة عظيمة من التحدي الإيجابي بين الأبناء فصار كل طفل يسعى إلى مزيد من الحفظ والإتقان لا طلبًا للتكريم فقط بل شوقًا لنيل شرف حمل كتاب الله وهذا في حد ذاته مكسب عظيم للأجيال القادمة وللمجتمع كله".
أيضا من بين الأصوات التي تحدثت بفخر عن المسابقة كان الدكتور أمين إسماعيل بدران رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر "أحد أبرز أبناء القرية" والذي يرى أن هذه المسابقة تمثل امتدادًا طبيعيًا لهوية حصة شبشير.
وأوضح أن قرية حصة شبشير لم تكن يومًا قرية عادية بل هي نموذج فريد لقرية ارتبطت بالقرآن علمًا وحفظًا وسلوكًا هذه المسابقة السنوية ليست مجرد فعالية موسمية لكنها مشروع تربوي متكامل يصنع أجيالًا تحمل كتاب الله في صدورها وقيمه في أخلاقها.
- القرآن يصنع الهوية ويغرس روح التنافس
وأضاف أن ما يميز هذه المسابقة هو أنها غرست روح التنافس الشريف بين الأبناء فصار كل طفل يسعى ليكون أفضل لا طلبًا للجائزة فقط بل طلبًا للرفعة التي يمنحها القرآن لصاحبه "نحن لا نصنع حفاظًا فقط بل نصنع شخصيات قوية ومنضبطة وواعية القرآن دائمًا كان وسيظل أساس النهضة الحقيقية".
أما الدكتور مصطفى زرد مدرس مساعد بكلية الزراعة جامعة الأزهر، أحد أبناء القرية، فقد أكد أن المسابقة أصبحت من أهم عوامل تشكيل وعي الأجيال الجديدة داخل القرية "المسابقة أحدثت أثرًا عظيمًا داخل حصة شبشير نحن نرى ذلك بوضوح عامًا بعد عام من خلال زيادة أعداد المشاركين وارتفاع مستويات الأداء".
- حصة شبشير نموذج تربوي يصنع أجيالًا واعية
وأضاف أن الأمر لا يتوقف عند حفظ القرآن فقط بل يمتد إلى بناء الشخصية الطفل الذي يدخل هذه المسابقة يتعلم الالتزام والانضباط والثقة بالنفس، مشيرًا إلى أن ما يحدث داخل القرية يستحق الدراسة كنموذج مجتمعي ناجح قائلًا: "حين يجتمع البيت والمسجد والمحفظ والأسرة على هدف واحد تكون النتيجة مذهلة وهذا ما نراه في حصة شبشير".
وفي قلب هذا المشهد، يقف المحفظون باعتبارهم الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها هذا النجاح سنوات طويلة من الجهد والعطاء خلف كل حافظ للقرآن. وأوضح أن المسابقة شهدت تطورًا كبيرًا على مدار السنوات فبعدما كانت إجراءات التسجيل ورصد البيانات تتم قديمًا يدويًا عبر الأوراق والسجلات التقليدية بشكل بسيط أصبحت اليوم تُدار إلكترونيًا بالكامل بداية من التسجيل وحتى إعلان النتائج في نقلة عصرية تعكس تطور المسابقة وتنظيمها الاحترافي عامًا بعد عام.
- المحفظون الجنود المجهولون خلف كل حافظ
وفي السياق ذاته، يقول الشيخ محمد عبد الغفار بدير كبير محفظي القرآن الكريم بالقرية، إن هذه المسابقة ليست مجرد اختبار للحفظ بل رحلة طويلة من التربية والمراجعة والانضباط. نرى أطفالًا يبدأون معنا في سن صغيرة جدًا ثم يكبرون عامًا بعد عام مع القرآن المسابقة تمنحهم دافعًا قويًا للاستمرار وعدم التوقف.
وتابع: "روح التحدي الموجودة بين الطلاب مميزة جدًا كل واحد يريد أن يتقدم على نفسه أولًا ثم ينافس زملاءه في الخير وهذا أجمل أنواع التنافس مستشهدا بقول الحق سبحانه وتعالي { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} مؤكدًا أن أكثر ما يبعث على الفخر هو رؤية الثمار بعد سنوات قائلًا: أجمل لحظة حين ترى طفلًا كان يتهجى الحروف ثم بعد سنوات يصبح حافظًا متقنًا وربما شيخًا أو طبيبًا أو أستاذ جامعة هنا ندرك قيمة ما نفعله.
- رحلة تبدأ بطفل وتنتهي بصانع نجاح
ولا تقتصر أجواء المسابقة على أيام الاختبارات فقط بل تمتد إلى الحفل الختامي الكبير الذي يتحول كل عام إلى احتفال استثنائي. فرحة الفائزين دموع الأمهات فخر الآباء وتصفيق الحضور كلها مشاهد تختصر معنى النجاح الحقيقي في حصة شبشير.
في هذا اليوم يشعر الجميع بأن القرية كلها انتصرت. الأطفال الفائزون لا يحصلون فقط علي رحلات العمرة أو الجوائز المالية أو شهادات التقدير بل يحصلون على شيء أكبر بكثير: الثقة والتقدير والشعور بأن حفظ القرآن طريق للعزة والنجاح. وهذا ربما يفسر سر استمرار حصة شبشير في تقديم نماذج مشرفة من الأطباء والأساتذة والعلماء وأبناء الأزهر. فهنا العلاقة بين القرآن والنجاح ليست مجرد كلمات تتردد بل حقيقة يراها الناس كل يوم.
القرآن في حصة شبشير ليس نشاطًا جانبيًا بل أسلوب حياة. ولهذا يرى أبناء القرية أن المسابقة السنوية الكبرى أصبحت واحدة من أهم الكنوز المعنوية التي تملكها حصة شبشير لأنها تحفظ هوية القرية وتحمي أبناءها وتصنع مستقبلهم.
في زمن تتسارع فيه التغيرات وتزداد التحديات تبقى حصة شبشير متمسكة بجذورها مؤمنة بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء روحه وعقله وقلبه. وهنا تحت ظلال آيات القرآن تُصنع الحكاية كل عام من جديد. حكاية قرية اختارت أن يكون أعظم ميراث تتركه لأبنائها كتاب الله.