التعليم المر! طلاب يحصلون على قروض لتغطية نفقات الدراسة.. والجحيم مع التعثر فى السداد

د.رضا عبد السلام - د.عادل النجدي

الخميس، 09 يوليه 2026 - 07:47 م

هاجر زين العابدين

الخريجون: وقعنا فى فخ الديون.. ونقبل بأى عمل لمواجهة الأزمة سعيدة: حياتى منتهى البؤس.. وأعمل بعدة صيدليات لدفع ٥ آلاف جنيه لتغطية القرض شهريًا محمد: حصلت على قرض بـ ١٠٠ ألف جنيه لدراسة الطب ومستقبلى مهدد لعدم القدرة على الوفاء بالأقساط   بين طموح مبرر للأسر فى تأمين تعليم أفضل لأبنائها، وواقع اقتصادى يفرض تحديات معقدة فى سوق العمل، برزت فى الآونة الأخيرة ظاهرة «القروض التعليمية» كأداة تمويلية يقبل عليها الكثيرون، لكنها باتت تثير تساؤلات ومخاوف عميقة حول جدواها ومخاطرها. فالسيناريو المتكرر يبدأ برغبة فى الارتقاء لمستوى تعليمى أفضل، وينتهى بأجيال من الخريجين يجدون أنفسهم مكبلين بمديونيات ضخمة فور خطواتهم الأولى خارج أسوار الجامعة، دون امتلاكهم لفرص عمل تضمن لهم الحد الأدنى لسداد هذه الالتزامات. «الأخبار» تفتح ملف التمويل التعليمى فى مصر لنبحث فى أبعاد الأزمة، ومسؤولية القطاع المصرفى، والبدائل الواقعية التى يمكن أن تنقذ الأسر والطلاب من فخ الديون. «دخلت الكلية على أمل أن أكون نصرة لأهلي، لم أكن أعلم أن الواقع سيكون بهذا الشكل».. بكلمات تختنق بمرارة الواقع وقلة الحيلة، يروى «محمد علي» (اسم مستعار)، طبيب الأسنان المقيم فى محافظة المنيا شمال الصعيد، مأساته التى تلخص معاناة جيل كامل من شباب الأطباء فى مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. «البالطو الأبيض» «محمد»، الذى يمر حالياً بشهور امتيازه الأخيرة (دَفعة 25) لإحدى الجامعات الحكومية، لم تكن رحلته التعليمية مفروشة بالورود؛ بل كانت مغزولة بتضحيات عائلته التى استدانت عبر «قرض بنكي» تجاوز الـ100 ألف جنيه أثقل كاهلها لتأمين مصاريف دراسته وتجهيزه ليكون سنداً لهم. اليوم، وبدلاً من أن يجنى ثمار تعبه وسهره، يجد الطبيب الشاب نفسه عاجزاً حتى عن توفير احتياجاته الأساسية أو شراء المستلزمات الطبية، اللازمة لتدريبه العملى فى تخصصات طب الأسنان. المفارقة المؤلمة فى رحلة بحث «محمد» عن لقمة العيش، تكمن فى أن شهادته العلمية تحولت إلى عائق بدلاً من أن تكون ميزة؛ فلم تحظ دفعته بالتكليف الحكومي، فضلاً عن صدمته بالمرتب الذى لا يسد احتياجاته الشخصية جراء العمل داخل عيادات الأسنان الخاصة. يقول على: «مستعد للعمل فى أى مكان وبأى مهنة، حتى لو كانت خارج مجال دراستى تماماً، فقط لأرفع العبء عن كاهل أسرتى التى تسدد قسط القرض بالعافية». طبيبة صيدلانية لم يكن لـ (سعيدة .م) حظ من اسمها، إذ لم يحالفها الحظ لتلتحق بكلية الصيدلة داخل إحدى الجامعات الحكومية، لتجد الجامعات الأهلية تفتح لها أبوابها، لكن لم يستطع الأهل تحمل مصروفاتها. قررت سعيدة أن تحصل على قرض تعليمى من أحد البنوك، ليوفر لها التمويل المادى ووفق حسبته فهى بحاجة لـ 5000 جنيه شهرياً لسداد قسط القرض، ورغم اعتراض أهلها إلا أنها حصلت عليه بالفعل بعد أن قدمت ما يفيد بمصروفات الجامعة للبنك. سرعان ما اصطدمت «سعيدة» بمتطلبات سوق العمل فلم تحظ هى أيضاً بالتكليف الحكومي، ووجدت رواتب العمل فى الصيدليات ضعيفة للغاية لا تتجاوز الـ 5 آلاف جنيه بحكم أنها فى منطقة ريفية، فضلاً عن توافر الكثيرين من الأفراد الذين لا يدرسون الصيدلة ولكن يمارسون العمل داخل العديد من الصيدليات، ويقبلون بأى راتب. فما كان منها إلا بالعمل داخل أكثر من صيدلية لتستطيع توفير مصاريفها الشخصية وسداد القرض التعليمى وفضلت ممارسة الصيدلة حتى لا تنسى ما تعلمته فى دراستها النظرية أو العلمية. تنتظر «سعيدة» أن تفيق من سداد رسوم القرض التعليمى حتى تبحث عن فرصة تليق بها لكن كل ما يشغلها الآن هو سداد القرض فقط. المفارقة المحلية يوضح د.رضا عبد السلام، عضو مجلس النواب، أن فكرة القروض التعليمية فى الأصل هى آلية تمويلية متعارف عليها ومطبقة بنجاح فى مختلف دول العالم؛ إذ يُنظر إلى التعليم كأى مشروع استثمارى أو تجارى يحق للطالب أو أسرته الاقتراض بضمانات محددة لتمويله ومواصلة رحلته الدراسية. وفى المسار الطبيعي، يتقدم الطالب للبنك بما يثبت وضعه التعليمى ومستهدفة الأكاديمي، كنوع من «دراسة الجدوى» للمستقبل. لكن الأزمة لدينا تكمن فى غياب البيئة المتكاملة التى تضمن نجاح هذه المنظومة. فالتجربة العالمية تفترض أن الطالب الذى يقترض لدراسة تخصص حيوى كالهندسة أو الطب، يمتلك شبه ضمانة للالتحاق بوظيفة ذات عائد مالى مرتفع فور تخرجه، مما يتيح له سداد أصل القرض وفوائده بانتظام.. أما فى الواقع المحلي، فإن المنظومة تواجه خللاً جوهرياً؛ إذ يصطدم ثلاثة أرباع الخريجين -إن لم يكن جميعهم بندرة الفرص الوظيفية وغياب التعيينات برواتب تتناسب مع حجم القرض، بالتوازى مع اندفاع البنوك نحو تسويق هذه التمويلات وملاحقة المواطنين لربطهم بالتزامات مالية تفوق قدراتهم، مما يؤدى حتماً إلى تعثر المقترضين وتحول هذه القروض إلى «ديون معدومة» تدفع بالأسر والشباب إلى ساحات المحاكم.. المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على عاتق البنوك. يُحمّل «رضا» البنوك المسؤولية الأولى والمباشرة عن تفاقم هذه الأزمة. فالقرض التعليمى لا ينبغى أن يُمنح عشوائياً لكل من يتقدم به؛ بل يجب أن يخضع لدراسة جدوى صارمة من قِبل اللجان الائتمانية فى المصارف. ويشير إلى أن قرار الموافقة على القرض يعنى ضمنياً أن البنك قد فحص السجل الدراسى للمتقدم ورأى أنه «طالب متفوق وجدير بالتمويل» بناءً على درجاته فى الثانوية العامة كشرط لمواصلة تميزه، أما منح التمويل دون اعتبارات الكفاءة فيحول البنوك إلى كيانات تسعى وراء الأرباح والفوائد السريعة بلا دراسة حقيقية للمخاطر. ولم تقف المخالفات عند حدود التعثر فى السداد، بل امتدت لتشمل «إساءة استخدام» هذه التسهيلات.. مستكملاً فإن انخفاض أسعار الفائدة والمزايا الميسرة المصاحبة للقروض التعليمية دفع بالعديد من المواطنين إلى التحايل والاقتراض تحت لافتة التعليم، ثم توجيه تلك الأموال إلى مسارات أخرى مثل المضاربة فى البورصة، أو شراء الذهب، أو الدخول فى صفقات تجارية سريعة، على غرار الانحرافات التى تشهدها أحياناً قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة. البديل الآمن للقروض التعليمية أما عن البدائل التى تغنى الأسر والطلاب عن اللجوء لعقود الاقتراض المجحفة؛ يرى عبد السلام أن الحل يكمن فى تفعيل منظومة «المسؤولية الاجتماعية للشركات والبنوك»؛ فالقطاع المصرفى والاتصالات يتربعان على قمة القطاعات الأكثر ربحية فى مصر، محققين عوائد سنوية تقدر بعشرات المليارات. ومن ثم، فإن الواجب الأخلاقى والاجتماعى يحتم على هذه الكيانات -التى تجنى أرباحها من المجتمع- أن تعيد استثمار جزء من هذه الأموال فى خدمة البيئة المحلية. ويقترح رضا آلية تطبيقية تتلخص فى استقطاع مبالغ سنوية محددة من أرباح البنوك لتوجيهها بالكامل لدعم ورعاية الطلاب المتميزين وأوائل الشهادات العامة. وتتكتل البنوك العاملة فى كل محافظة لدعم أبنائها؛ وتخصص صندوقاً بقيمة 100 مليون جنيه لرعاية وتدريس أوائل المحافظة فى الجامعات والتخصصات التى يختارونها. وهذه المساعدات تُخصم قانونياً من الوعاء الضريبى للبنوك؛ أى أن البنك لن يتحمل خسارة مالية، بل يحول جزءاً من ضرائبه إلى دعم مباشر للتعليم.. ويختتم عبد السلام رؤيته بالتأكيد على أن تعميم هذه التجربة ونقلها من حيز المبادرات الطوعية إلى إطار التطبيق الشامل يتطلب تدخلاً مباشراً من السلطة النقدية العليا فى البلاد، ممثلة فى البنك المركزى المصري. ومع انطلاق ماراثون إعلان نتائج الثانوية العامة، تتوجه الأنظار إلى البنك المركزى لإصدار توجيهات ومبادرة وطنية تلزم القطاع المصرفى بتبنى منظومة المنح التعليمية للمتفوقين، كخطوة استباقية تحمى الأسر المصرية وتضع أرباح البنوك فى مسارها التنموى الصحيح. تراكم الديون من جانبه يوضح د.عادل النجدي، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقاً، أن القرض التعليمى أحد الأدوات التى تلجأ إليها بعض الأسر المصرية لمساعدة أبنائها على استكمال دراستهم، خاصة فى ظل ارتفاع تكاليف التعليم فى المدارس الخاصة والدولية أو الجامعات. ورغم ما يتيحه القرض التعليمى من فرص، فإنه ينطوى أيضًا على تحديات ينبغى إدراكها قبل الإقدام عليه. حيث تتمثل إيجابيات القرض التعليمى فى أنه يساعد الطلاب الذين لا تسمح ظروفهم المادية بسداد الرسوم الدراسية على الالتحاق بالتعليم. كما يعمل على تخفيف العبء المالى عن الأسرة، حيث يوزع تكلفة التعليم على سنوات بعد التخرج بدلًا من دفعها دفعة واحدة. كما يتيح الاستثمار فى رأس المال البشري؛ فإذا أدى التعليم إلى الحصول على وظيفة جيدة، فقد يكون العائد المالى أكبر من تكلفة القرض. كما يمنح الطلاب حرية أكبر فى اختيار المؤسسة التعليمية المناسبة. ويستكمل النجدي، أما عن مخاطر القروض التعليمية، فتتمثل فى تراكم الديون، إذ قد يجد الخريج نفسه مثقلًا بأقساط شهرية لسنوات طويلة. كما أنه فى بعض القروض قد ترتفع التكلفة النهائية بسبب الفوائد أو الرسوم. وقد تجبر القروض التعليمية الخريج على قبول وظائف لا تتناسب مع طموحه من أجل الوفاء بأقساط القرض. وإذا لم يجد الخريج عملًا مناسبًا، خاصة فى مجتمعنا حيث تقل فرص العمل، فقد تصبح عملية السداد صعبة. شارحاً أن القرض التعليمى ليس جيدًا أو سيئًا فى حد ذاته، وإنما تعتمد جدواه على طريقة تصميمه واستخدامه. فإذا كانت شروطه عادلة، وفوائده منخفضة، ويرتبط بتخصصات ذات فرص عمل جيدة، فإنه يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتمكين الشباب من التعليم. أما إذا ارتفعت تكلفته أو غابت المرونة فى السداد، فقد يتحول إلى عبء مالى طويل الأمد يؤثر فى حياة الخريج لسنوات. ومن منظور السياسات التعليمية، فإن نجاح برامج القروض التعليمية يتطلب موازنتها مع المنح الدراسية، والدعم المباشر للطلاب غير القادرين، وربط السداد بمستوى الدخل بعد التخرج، بما يحقق العدالة ويحد من مخاطر التعثر المالي.