ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


قلم حر

ياسر عبد العزيز يكتب: التاريخ يتكلم مصريًا فى يوليو وهانى أبوريدة شاهد عليه

ياسر عبدالعزيز

الخميس، 09 يوليه 2026 - 08:18 م

للتاريخ عاداته التى لا يلتفت إليها كثيرون. فهو لا يطرق الأبواب بصخب، ولا يعلن عن نفسه فى نشرات الأخبار، وإنما يترك إشارات صغيرة، متناثرة فى الطريق، ثم يجمعها بعد سنوات طويلة فى صورة واحدة.

تأملت كثيرًا فى حكاية الكرة المصرية خلال ربع القرن الأخير، فلم أجد أن البطل الحقيقى فيها كان لاعبًا، أو مدربًا، أو بطولة بعينها، وإنما وجدت أن البطل كان الزمن نفسه.

وكأن الأيام كانت تكتب فصول الحكاية بهدوء، ثم تعود لتقرأ علينا ما كتبته، دون أن تحذف سطرًا واحدًا..

ولعل أغرب ما فى هذه الحكاية أن شهر يوليو ظل يعود كل مرة، حاملًا معه بشارة جديدة لكرة القدم المصرية.. فى يوليو ٢٠٠١، وعلى أرض الأرجنتين، عاد منتخب مصر للشباب بقيادة المدرب الوطنى القدير شوقى غريب يحمل برونزية كأس العالم.

ثم دار الزمن دورة كاملة. وفى يوليو ٢٠١٠، لم تكن هناك بطولة جديدة تُرفع، لكن مصر حققت ما هو أبقى من البطولات، عندما صعد المنتخب الوطني، بقيادة المعلم حسن شحاتة، إلى المركز التاسع فى التصنيف العالمي، وهو أعلى مركز بلغته الكرة المصرية فى تاريخها. ثم يمضى الزمن ستة عشر عامًا أخرى.. ويعود يوليو للمرة الثالثة..

وكأنه يحمل موعدًا مؤجلًا مع الكرة المصرية.. فى يوليو ٢٠٢٦، لم تكن الأرجنتين مجرد منتخب يقف فى مواجهة مصر، ولم يكن المونديال مجرد بطولة جديدة. كان التاريخ يعيد ترتيب مشاهده. الزمان نفسه الذى شهد فرحة شباب مصر قبل خمسة وعشرين عامًا، عاد ليشهد ميلاد إنجاز جديد،

حين قاد العميد حسام حسن المنتخب الوطنى إلى بلوغ دور الستة عشر فى كأس العالم للكبار بأمريكا ، لأول مرة فى تاريخ الكرة المصرية.. وأجمل ما فى الإنجاز أنه لم يولد من مصادفة، ولم تصنعه كرة طائشة أو ضربة حظ.. وحين انتهت الرحلة وسط جدل تحكيمى واسع، تحدثت عنه كبريات وسائل الإعلام، لم يشعر المصريون بأنهم خسروا مباراة، بقدر ما شعروا أنهم استعادوا مكانتهم بين الكبار.

فهناك هزائم ترفع أصحابها، كما أن هناك انتصارات لا تضيف شيئًا إلى أصحابها.. وبين يوليو الأول ويوليو الثانى ويوليو الثالث، لم تكن الكرة المصرية تعيش على الذكريات، وإنما كانت تبنى حاضرها.. جاء هانى رمزى ليعيد المنتخب الأولمبى إلى دورة الألعاب الأولمبية عام ٢٠١٢، بعد غياب امتد أكثر من عقدين،

ثم جاء المدرب الأرجنتينى كوبر ليقود المنتخب الأول إلى نهائيات كأس العالم ٢٠١٨، بعد انتظار دام ثمانيةً وعشرين عامًا، ليعيد الجماهير المصرية إلى المسرح العالمى.. ثم عاد شوقى غريب مرة أخرى، لكن هذه المرة مدربًا للمنتخب الأولمبي، ليحقق لقب أفريقيا عام ٢٠١٩، ويقود مصر إلى الأولمبياد، وكأن الرجل الذى بدأ الحكاية فى الأرجنتين عاد ليكتب فصلًا جديدًا منها..

ثم جاء المدرب البرازيلى ميكالي، ليقود المنتخب الأولمبى إلى المربع الذهبى فى أولمبياد باريس ٢٠٢٤، بعد الفوز على إسبانيا، وإقصاء باراجواي، قبل مواجهة فرنسا على أرضها، فى مباراة رأى كثيرون أنها شهدت جدلًا تحكيميًا، يعيد إلى الذاكرة ما حدث لاحقًا أمام الأرجنتين فى مونديال ٢٠٢٦.. وعندما تجمع هذه الصفحات كلها فى كتاب واحد، تكتشف أن هناك اسمًا يتكرر بهدوء، دون أن يزاحم أحدًا على الأضواء، لكنه حاضر كلما حضرت الإنجازات.. الدولى هانى أبوريدة..

كان المشرف العام على منتخب الشباب صاحب برونزية العالم فى الأرجنتين عام ٢٠٠١.. وكان من أصحاب القرار الذين منحوا الثقة للمعلم حسن شحاتة، وساهم، إلى جانب الراحل سمير زاهر، فى تهيئة البيئة التى صنعت أعظم جيل فى تاريخ الكرة المصرية.. وكان من المؤمنين بتجربة هانى رمزى.. وأشرف على مرحلة هيكتور كوبر التى أعادت مصر إلى كأس العالم..

ومنح شوقى غريب الثقة مع المنتخب الأولمبي، فكان لقب أفريقيا.. ثم هيأ كل أسباب النجاح لمنتخب العميد حسام حسن، من خلال برنامج إعداد متكامل، ومعسكر طويل فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتجارب عالمية أمام إسبانيا والبرازيل، حتى دخل المنتخب كأس العالم وهو يحمل من الثقة ما جعله يناطح بلجيكا، ويحرج الأرجنتين، ويعيد مصر إلى واجهة التصنيف العالمي،

محتلًا المركز السادس والعشرين، فى خطوة تستدعى إلى الذاكرة ذلك اليوليو البعيد من عام ٢٠١٠، حين وقفت مصر تاسعة على العالم.. وهنا تبدو المفارقة أكثر جمالًا من أى خيال.. يوليو ٢٠٠١؛ شهد ميلاد الحلم العالمى.. ويوليو ٢٠١٠؛ شهد وصول الكرة المصرية إلى أعلى قمة فى تاريخ تصنيفها..

ويوليو ٢٠٢٦؛ شهد عودة مصر إلى المسرح العالمى بإنجاز غير مسبوق، وبداية طريق جديد نحو استعادة مكانتها. ثلاثة أشهر تحمل الاسم نفسه؛ لكنها حملت معها ثلاثة أجيال، وثلاثة أحلام، وثلاث رسائل، تقول جميعها إن الأمم التى تعرف كيف تبني، قد تتأخر، لكنها لا تغيب..

ولهذا، فإن الذى ينظر إلى هذه المحطات لا يرى مصادفات متفرقة، وإنما يرى خيطًا واحدًا يمتد من الأرجنتين إلى القاهرة، ومن جيل إلى جيل، ومن حلم إلى حلم، ويرى رجالًا اختلفت مواقعهم، لكنهم اجتمعوا على هدف واحد؛ أن تبقى مصر حيث تستحق أن تكون.. ولذلك، إذا سأل أحدهم التاريخ: بأى لغة كتبت حكاية الكرة المصرية فى ربع القرن الأخير؟

فلن يحتاج التاريخ إلى مترجم.. سيجيب ببساطة وهدوء، ويقين: لقد تكلمت مصريًا.

تحيا مصر.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة