الولاية أمانة لا وسيلة للتكسب| العلماء: استغلال الأطفال فى صناعة المحتوى الرقمى لا يجوز

د. صلاح ناجى -- جيهان بدر

الخميس، 09 يوليه 2026 - 08:40 م

سيد عبد النبى

تحوّلت براءة الأطفال فى الآونة الأخيرة إلى سلعة رائجة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُجبر كثيرٌ منهم على الوقوف أمام الكاميرات لساعات طويلة؛ بهدف جذب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية. وتثير هذه الظاهرة المتصاعدة تساؤلات شرعية وأخلاقية مُلحّة حول حدود الولاية الأبوية، ومدى مشروعية تحويل حياة الطفل الخاصة إلى مصدرٍ للتكسب المادى فى ضوء المقاصد الشرعية لحماية الطفولة. عن هذا يقول د. صلاح السيد محمد ناجى، مدير عام التوجيه العام بمجمع البحوث الإسلامية: إن الأولاد نعمة عظيمة يمتنّ الله بها على من يشاء من عباده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، كما طلب هذه النعمة الأنبياء والمرسلون، فقال تعالى على لسان سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾، وقال سبحانه فى وصف عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. ويضيف أن شكر نعمة الأولاد يكون بالمحافظة عليهم، والقيام بحقوقهم، وطاعة الله فى تربيتهم، مؤكدًا أن الأبناء مسئولية يُسأل عنها الوالدان أمام الله تعالى، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته». ويوضح أن إهمال الوالدين فى تربية أبنائهما، أو التفريط فى تعليمهم وتأديبهم ورعايتهم، يعدّ من صور التقصير الجسيم، فكيف بمن يستغل أبناءه فى التكسب وجلب المال، سواء بدفعهم إلى أعمال لا تناسب أعمارهم، أو استغلالهم فى التسول واستعطاف الناس، أو تركهم عرضة للضياع، أو استخدامهم وسيلة لتحقيق الأرباح عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويشير إلى أن عرض صور الأطفال أو مقاطع فيديو لحياتهم اليومية بغرض زيادة المشاهدات وتحقيق العائد المالى يُعد من صور تضييع الأبناء، لأن فيه تحويلًا لحياتهم الخاصة إلى سلعة تُعرض من أجل المال، وهو ما ينعكس سلبًا على شخصياتهم وسلوكهم، وقد يدفعهم مستقبلًا إلى تقليد هذا النهج، وربما ارتكاب ممارسات محرمة أو مخالفة من أجل الشهرة وجذب المشاهدات. واستشهد بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يعول». وتؤكد جيهان بدر، الواعظة بوزارة الأوقاف، أن الحكم على ظاهرة استغلال الأطفال فى صناعة المحتوى الرقمى لا يكون بالنظر إلى ظاهر الفعل فقط، وإنما بردّها إلى أصولها الشرعية وقواعدها الفقهية، لأن النوازل المعاصرة تُبنى أحكامها على تحقيق المناط، والنظر فى المقاصد والمآلات. وتوضح أن الولاية على الطفل فى الفقه الإسلامى ليست حقًا مطلقًا للولي، وإنما هى أمانة شرعية شُرعت لتحقيق مصلحة الصغير وصيانة حقوقه، مستشهدة بالقاعدة الفقهية: «تصرف الولى منوط بالمصلحة»، أى أن كل تصرف يصدر من الأب أو الأم أو غيرهما ممن له ولاية على الطفل لا يكون مشروعًا إلا إذا عاد بالنفع الحقيقى على الطفل، ولم يترتب عليه ضرر أو مفسدة. وتضيف أن تصوير الأطفال أو نشر تفاصيل حياتهم عبر المنصات الرقمية لا يُحكم عليه بالإباحة أو المنع بإطلاق، وإنما يُنظر إلى مقصده وآثاره؛ فإن كان يحقق مصلحة معتبرة، وخلا من كشف العورات، أو انتهاك الخصوصية، أو استغلال براءة الطفل، أو إلحاق ضرر نفسى أو اجتماعى به، بقى على أصل الإباحة، أما إذا غلبت المفسدة، أو تحول الطفل إلى وسيلة للكسب المالى أو الشهرة، فإن الحكم يتغير تبعًا لتغير علته. وتشير إلى أن هذه المسألة تندرج أيضًا تحت القاعدة النبوية العظيمة: «لا ضرر ولا ضرار»، وهى من القواعد الكبرى فى الفقه الإسلامي، إذ إن كل تصرف يفضى إلى إلحاق الضرر بالإنسان، ماديًا كان أو نفسيًا أو اجتماعيًا، يُمنع شرعًا بقدر ما يتحقق فيه من الضرر. وتوضح أن قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» تنطبق بوضوح على هذه النازلة؛ فإذا تعارضت مصلحة تحقيق الأرباح أو زيادة المشاهدات مع مفسدة تمس كرامة الطفل أو سلامته النفسية أو حقه فى الخصوصية، فإن الشريعة تقدم دفع المفسدة على جلب المنفعة، وهذه القواعد تنسجم مع مقاصد الشريعة فى حفظ الضروريات الخمس، وفى مقدمتها حفظ النفس والعقل والعرض، مؤكدة أن الطفل مكرّم فى الإسلام، وله حقوق ثابتة لا يجوز التفريط فيها بحجة الترفيه أو الشهرة أو الكسب المادي، لأن الولاية الشرعية شُرعت للرعاية والحماية، لا للاستغلال.