بعد 6 قرون من التاريخ.. مسجد محمد بك الصغير يعود للحياة عقب ترميم شامل

مسجد محمد بك الصغير

الجمعة، 10 يوليه 2026 - 04:44 م

شيرين الكردي

بين الأزقة التاريخية في منطقة مصر القديمة، يقف مسجد محمد بك الصغير شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ العمارة الإسلامية في القاهرة. فعلى الرغم من أنه لا يحظى بالشهرة التي تتمتع بها بعض المساجد الأثرية الكبرى، فإنه يضم بين جدرانه قصة تمتد لنحو ستة قرون، تجمع بين الفن المملوكي وروح التجديد العثماني، لتجعل منه أحد الكنوز المعمارية التي تستحق التوقف أمامها.   - الحكاية.. مسجد يحمل ذاكرة العصور   يرجع تاريخ إنشاء المسجد إلى العصر المملوكي الجركسي، حيث أُعيد بناؤه عام 830 هـ / 1427 م في عهد السلطان الأشرف برسباي، بعدما كان هناك مسجد أقدم في الموقع يُنسب إلى العصر الأيوبي، وهو ما يعكس أهمية المكان الدينية والعمرانية عبر العصور. ويقع المسجد بشارع محمد الصغير بجوار شارع القبوة في منطقة مصر القديمة، بالقرب من مجموعة من أبرز الآثار الإسلامية التي تروي تاريخ القاهرة الممتد عبر قرون.   - لماذا سُمي بمحمد بك الصغير؟   عرف المسجد تاريخيًا بعدة أسماء، من بينها جامع محمد بن أبي بكر الصديق وجامع محمد الصغير، كما كان يُعرف قديمًا باسم جامع زمام، قبل أن يستقر اسمه الحالي المرتبط بالمنطقة التي يحتلها اليوم. يعكس المسجد جمال العمارة المملوكية في تفاصيله الدقيقة، ويتميز بعدد من العناصر الفنية، أبرزها: - مدخل حجري مرتفع يزينه عقد كبير مزخرف بالدلايات الحجرية. - سقف خشبي تتوسطه "شخشيخة" تسمح بدخول الضوء والهواء. - محراب مزخرف بزخارف نباتية وكتابية. - منبر خشبي يحمل زخارف هندسية دقيقة. - مئذنة تتكون من ثلاث دورات تجمع بين الطرازين المملوكي والعثماني، بعدما جُدد الجزء العلوي منها في العصر العثماني.    - من المماليك إلى العثمانيين   لم يتوقف تاريخ المسجد عند العصر المملوكي، بل شهد عملية تجديد مهمة خلال العصر العثماني عام 1287 هـ على يد محمد ميرزا باشا، وهو ما ساهم في الحفاظ على المبنى واستمرار دوره الديني حتى العصر الحديث. وفي يوليو 2026 افتتح المجلس الأعلى للآثار مشروع الترميم الشامل للمسجد بعد الانتهاء من أعمال دقيقة شملت توثيق العناصر الأثرية، وتدعيم الأساسات، ومعالجة الشروخ، وترميم الأسقف والعناصر الخشبية والرخامية والزجاجية، إلى جانب تطوير منظومة الإضاءة بما يتناسب مع القيمة التاريخية للمبنى، تمهيدًا لاستقبال المصلين والزائرين من جديد.   - افتتاح المسجد بعد ترميم شامل   شهد مسجد محمد بك الصغير افتتاحه رسميًا أمس، عقب الانتهاء من مشروع ترميم شامل نفذه المجلس الأعلى للآثار، حيث افتتح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، المسجد بحضور عدد من قيادات المجلس وممثلي وزارة الأوقاف، تمهيدًا لاستقبال المصلين واستئناف إقامة الشعائر الدينية، ليعود أحد أبرز المساجد الأثرية في مصر القديمة إلى أداء دوره الديني والحضاري من جديد. وشملت أعمال الترميم تنفيذ الدراسات الأثرية والتوثيق المعماري والفوتوغرافي للمسجد، وأعمال الرصد المساحي، إلى جانب تدعيم وحقن الأساسات، ومعالجة الشروخ، وصيانة الأسقف، وتنظيف الواجهات الحجرية، وترميم السلالم والعناصر الخشبية والرخامية والزجاجية، بالإضافة إلى ترميم اللوحة التأسيسية وتطوير منظومة الإضاءة بما يتناسب مع الطابع الأثري للمسجد، مع الحفاظ على جميع عناصره المعمارية الأصلية.  وأكد الدكتور هشام الليثي أن المشروع يأتي في إطار استراتيجية وزارة السياحة والآثار للحفاظ على المباني الأثرية وصون التراث الإسلامي، مشيدًا بالتعاون مع وزارة الأوقاف وطائفة البهرة والجهات المشاركة في تنفيذ المشروع. فيما أوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن أعمال الترميم أعادت للمسجد رونقه التاريخي وقيمته المعمارية، ليظل شاهدًا على عظمة العمارة الإسلامية في قلب مصر القديمة.   - لماذا يستحق الزيارة؟   لا تقتصر أهمية مسجد محمد بك الصغير على كونه مكانًا للصلاة، بل يمثل صفحة من تاريخ القاهرة الإسلامية، حيث يجمع بين الفن المملوكي والتجديد العثماني، ويعكس براعة البنّائين المصريين في تشييد المساجد التي ظلت شامخة لقرون، لتبقى شاهدًا على تطور العمارة الإسلامية في مصر. واليوم، وبعد أعمال الترميم، يستعيد المسجد مكانته كواحد من الجواهر المعمارية الهادئة في مصر القديمة، ووجهة تستحق الزيارة لكل محب للتاريخ والتراث الإسلامي.