«العداد الكودي» يصعق الناجين من عذاب «الممارسة»

العداد الكودى

السبت، 11 يوليه 2026 - 02:49 ص

آية فؤاد-شريف عبد الفهيم

أكثر من ألف أسرة كانوا يمنون النفس بحياة هادئة بعيدًا عن صخب الأماكن المزدحمة، فوجدوا فى أحد التجمعات السكنية كومباوند ملاذًا وحلًّا لما يبحثون عنه فأسرعوا للتعاقد مع إحدى شركات العقارات التى اشترت من الدولة أرضًا كان يقام عليها، مصنع كبير كان فى يوم من الأيام ملء السمع والبصر، ومضربًا للأمثال فى العديد من الأعمال الفنية. أقامت الشركة على جزء كبير من الأرض 14 برجًا سكنيًا بما يقارب الألف وحدة سكنية، ونصّ أحد بنود العقد على أن الشركة ملتزمة بإدخال المرافق، من بينها عداد الكهرباء، ليكتشف الملاك أن الموضوع خدعة كبيرة، وأن دخول عداد الكهرباء ضرب من الخيال ليقعوا تحت مقصلة نظام االممارسة، الذى يقضى، بدفع مبلغ ثابت نظير استخدام الكهرباء، لكن الأمر لم يستمر على هذه الحال، حيث ارتفعت قيمة الممارسة الى أكثر من 2000%، فبعد أن كانت 300 جنيه زادت لتصبح أكثر من 5000 جنيه، وهو ما وضع سكان ذلك المكان وكل من يتعامل مع الكهرباء بنظام الممارسة تحت ضغط المبلغ الكبير نظير استخدام الكهرباء، أو تحويل الأمر إلى المحكمة ليصبح الساكن متهمًا بسرقة الكهرباء وهى وصمة تحرمه من الكثير من امتيازات الدولة، مثل الحذف من منظومة التموين أو عدم السماح لأبنائه فيما بعد بالالتحاق بمناصب هامة فى الدولة. ولم يكن أمام هؤلاء غير التقدم للحصول على عداد للعقار الذى يقطنون به، ليهربوا من شبح المحاكمات القضائية، غير أن الأمر لم يسر على هوى الناس، حيث فوجئوا بفرض رسوم عالية على تركيب العداد وصل إلى أكثر من 12 ألف جنيه، بالإضافة لتركيب العداد الكودى، وهو الذى لا يتم قبول إيصال الشحن الخاص به فى أى مصلحة لأنه لا يحمل اسم صاحبه، ويتم التعامل على الاستهلاك فيه بأعلى شريحة فى الكهرباء، والتى وصلت بعد الزيادة الأخيرة إلى 2.79 جنيه، وهو ما حمّل المواطنين أعباء كبيرة، لتتم معاملتهم مثل المحال التجارية. آخرساعة تجولت فى بعض الأماكن التى يتم التعامل فيها بالعداد الكودى، وسألت المواطنين عن الأزمات التى يواجهونها بسببه، ومن بينهم شريف حسين (محاسب) الذى قال: ظللنا بعد شراء الشقة لأكثر من ست سنوات نتعامل بالممارسة، وهى عذاب ما بعده عذاب، فلو تأخرنا يومًا عن السداد فى مباحث الكهرباء يتم تحويل المحضر إلى النيابة، ليتم التعامل معنا على أننا سارقو تيار كهربائي، وإذا لم ننهِ المسألة بالتصالح مع الكهرباء وتقديم الشهادة إلى النيابة نحال إلى المحكمة، ونصبح رسميًا متهمين ويمكن أن يصدر ضدنا حكم غيابى من دون أن نعرف لنفاجأ فى أى موقف بأننا من أرباب السوابق كما يقال. وتابع شريف: وعندما سعينا للخلاص من عذاب الممارسة دخلنا فى نار العداد الكودي، الذى تعاقدنا عليه بمصاريف وصلت إلى 600% بالنسبة لأى شخص يريد أن يتعاقد على عداد الكهرباء، فوصل المبلع إلى 12 ألف جنيه، وتقبلنا الأمر لنخرج من مأساة الممارسة، لكننا لم نكن ندرى أننا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد اكتشفنا أن العدادات التى تعاقددنا عليها كودية، وأننا نتعامل على أعلى شريحة، وهى الشريحة التجارية، والتى تصل الى 2.79 جنيه للكيلو وات، وعندما استفسرنا عن السبب قالوا إن العقار به مخالفات، ولن يتم تحويل العداد الى رسمى قبل أن يتم التصالح على المخالفات. وتابع: قلنا إننا اشترينا الشقة من الشركة المنفذة للمشروع وهم المسئولون عن ذلك، فجاءنا الرد اروحوا ارفعوا عليهم قضيةب، ونحن الآن مطالبون بدفع مبالغ تصل إلى 50 ألف جنيه للتصالح على شققنا التى اشتريناها لنرتاح فيها فاكتشفنا أننا اشترينا الوهم. أخطاء متراكمة ياسر محمود موظف بوزارة الرى أكد أن ما يحدث نتيجة لكمية من الأخطاء المتراكمة بدأتها الحكومة بترك الشركات تبنى عقارات من دون ترخيص، بل تساعدهم بإدخال المرافق لتلك المواقع ثم بعد ذلك تبدأ فى التفكير فى جمع الأموال من الملاك الذى يكتشفون أنهم وقعوا فى فخ، وأنهم أصبحوا بين المطرقة والسندان، من دون أن يستطيعوا أن ينالوا حقوقهم المسلوبة. وتابع: أين الحكومة عندما بدأت الشركة فى بناء 14 برجًا سكنيًا ظاهرة كعين الشمس، ولماذا لم تتدخل قبل وقوع الكارثة، لقد وجدنا أنفسنا منذ البداية أمام كارثة الممارسة فى استخدام الكهرباء، ثـم بعــدها عـندمـا قرروا أن يركبوا لنا العدادات ضغطوا علينا لنتقاسم قيمة المقايسة، والتى بلغت ملايين الجنيهات مما جعلنا نتحمل أكثر من 12 ألف جنيه كى يتم تركيب عداد الكهرباء لنا، لكننا فوجئنا بأن العداد ليس شخصيًا وأنهم ركبوا لنا عدادات كودية وهى الكارثة الأكبر، وبعدها فوجئنا أننا مطالبون بأن نتصالح على مخالفات الشركة، وأن كل فرد منا مطالب بمبالغ كبيرة حتى نتصالح على المخالفات ليتم تحويل العداد من كودى الى شخصي. وكان من الضرورى أن نستكشف المشكلة من منبعها، فتوجهنا الى رئاسة حى الوراق، حيث تساءلنا عن الإجراءات التى من المفروض اتباعها لتغيير العداد من كودى الى رسمى، فأجابنا أحد مهندسى الحى بأنه من المفترض أن يقوم الشخص الذى يريد التصالح بعمل رسم هندسى بأحد المكاتب الهندسية، وإصدار شهادة مؤمنة ونموذج (أ، ب)، ثم بعد ذلك سداد مبلغ ألفى جنيه ببنك مصر قيمة رسم المعاينة ثم يتم بعدها تحديد قيمة المتر المربع ويقوم بسداد قيمة المخالفات، ليحصل على "نموذج 8" ثم يتوجه به إلى إدارة الكهرباء لملء طلب لتحويل العداد من كودى الى عادي. وبسؤاله عن أسباب تركيب العداد الكودى من البداية أكد أن السبب الرئيسى يرجع إلى صاحب العقار الذى أقام المبنى بالمخالفة لكل التصاريح التى أخذها، أو أقامه بدون تصــاريح مــن الأسـاس، وبـنـاء عليــه فــإن المبنـى كله يعـامل معـامـلـة واحــدة، ومــن اشــترى يتحمل تسديد المخالفات، أما عن العداد الكودى فإنه يعتبر نوعاً من التفريق بين المخالف وغير المخالف. إجراء مؤقت ومن جانبه أوضح مصدر بشركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء أن العداد الكودى إجراء مؤقت الغرض منه تحصيل حق الدولة وحساب الاستهلاك الفعلى للمبانى المخالفة بدلًا من الحسابات العشوائية التى تتسبب فى هدر للتيار الكهربائي، وقد يتعرض المشترك لنفس المشكلة بحساب لا يمثل استهلاكه الحقيقي، مشيرًا إلى أن العدادات الكودية لا تمنح العقار أى صفة قانونية فهى تركب برقم تسلسلى بدلًا من اسم المالك. وأضاف أن هذه العدادات لا تخضع لنظام الشرائح المتعارف عليه، حيث تتم المحاسبة بتعريفة واحدة وهى 2.74 جنيه لكل كيلو وات فى الساعة، وهو الأمر الذى أربك المواطنين، ولكن يرجع السبب فى ذلك إلى إهدار التيار الكهربائى وعدم المحاسبة الدقيقة لهذه المبانى المخالفة، والتى أضاعت على الدولة ملايين الجنيهات لسنوات فى مقابل إنفاقها على الطاقة والوقود، حيث تتم محاسبتهم بسعر ثابت كنوع من عدم الاستفادة للدعم الذى تقدمه الدولة للمبانى القانونية. وأشار إلى أن النسبة الأكبر من العدادات الكودية تتمركز فى المناطق العشوائية وذات الكثافات العالية، وعلى رأسها المناطق الشعبية بمحافظتى القاهرة والجيزة، وذلك لكثرة المبانى المخالفة بها، والتى كانت تعتمد بشكل كبير على نظام الممارسة فى حسابات اسرقةب التيار الكهربائي. وأكد أنه يمكن تحويل العدادات الكودية إلى قانونية تحاسب بنظام الشرائح المعتادة بتسهيلات ودون تعقيد عند الحصول على نموذج 8 الذى يؤكد جدية التصالح، والتوجه إلى شركة الكهرباء التابع لها العقار وذلك حسب المادة رقم 10 من قانون 187 لسنة 2023 للتصالح فى مخالفات المباني، مع صورة من بطاقة الرقم القومي، وعقد إيجار أو ملكية موثق، وآخر إيصال لشحن العداد الكودى أو يمكن التقديم على المنصة الإلكترونية لخدمات الكهرباء، لافتاً أنه سابقاً كان لابد من الحصول على خطاب موجه من الجهات الإدارية أو المحليات أولاً لتقنين الوضع، ولكن حالياً تم التجاوز عن هذه الخطوة بالتعاون مع الجهات المعنية. اقرأ  أيضا: تصعيد برلماني بشأن العدادات الكودية ومطالب بإجابات حكومية واضحة