من أدوات المائدة إلى أعمال فنية.. كيف تعيد الطباعة ثلاثية الأبعاد رسم مستقبل التصميم؟
السبت، 11 يوليه 2026 - 03:15 م
شيرين الكردي
لم تكن أدوات المائدة بالنسبة للكاتب الأمريكي من أصول فيتنامية دونغ نغو مجرد أدوات لتناول الطعام، بل كانت بداية رحلة استمرت أكثر من ربع قرن في عالم التصميم والاقتناء.
واليوم، يحاول دونغ إعادة تعريف هذا المجال عبر كتاب جديد ومعرض دولي يطرحان رؤية مختلفة لمستقبل أدوات المائدة، مستفيدين من تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج تصاميم تجمع بين الفن والهوية الثقافية والابتكار.
بدأت القصة قبل نحو 25 عامًا، عندما شعر دونغ نغو، وهو كاتب متخصص في التصميم وجامع مقتنيات، بأن أدوات المائدة التي يستخدمها لم تعد تعبر عن ذوقه الشخصي، وخلال زيارة لأحد متاجر التحف، اشترى طقمًا مكونًا من 40 قطعة مقابل 400 دولار، قبل أن يكتشف لاحقًا أنه من تصميم المصمم الفنلندي الشهير تابيو فيركالا، وأن قيمته السوقية تتجاوز اليوم 3600 دولار.
اقرأ أيضًا| مذيعة تتهم خادمة بسرقة 13 ملعقة مطلية بماء الذهب في أكتوبر
هذا الاكتشاف فتح أمامه بابًا جديدًا من الشغف، فبدأ رحلة طويلة للبحث عن أدوات مائدة نادرة في متاجر التحف والمزادات والمواقع الإلكترونية، معتمدًا على مجلات التصميم القديمة لتوثيق تاريخ كل قطعة والتعرف إلى مصمميها.
ومع مرور السنوات، تحولت مجموعته إلى واحدة من أكبر المجموعات الخاصة، حتى اضطر إلى تخزينها خارج شقته في نيويورك، لتصبح لاحقًا الأساس الذي بُني عليه كتابه الجديد "Knife Fork Spoon: Modernist Cutlery 1900–2025"، المقرر صدوره في أغسطس 2026.
ويتضمن الكتاب، الذي يقع في نحو 600 صفحة، توثيقًا لأكثر من 125 عامًا من تطور تصميم أدوات المائدة الحديثة، ويستعرض ما يزيد على 150 تصميمًا جرى ترتيبها زمنيًا، مع التركيز على نماذج صُممت لشركات الطيران والأطفال والسفر والاستخدامات اليومية.
ويتزامن إصدار الكتاب مع افتتاح معرض في متحف دنفر للفنون بالولايات المتحدة، يسلط الضوء على تطور هذا المجال منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم.
وخلال إعداد الكتاب، توصل نغو إلى ملاحظة لافتة، إذ رأى أن تصميم أدوات المائدة لم يشهد تغييرات جوهرية منذ أكثر من قرن، وأن طرق تصنيعها ما زالت تعتمد على تشكيل صفائح معدنية مسطحة، وهو ما يحد من الابتكار ويجعل معظم التصاميم متشابهة.
كما لاحظ تراجع الحرف التقليدية المرتبطة بصناعة أدوات المائدة في مدن تاريخية مثل زولينغن الألمانية وشيفيلد البريطانية، اللتين اشتهرتا لعقود بصناعة الفولاذ والأدوات المعدنية.
ومن هنا جاءت فكرة استكشاف مستقبل هذه الصناعة بالاعتماد على الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهي التقنية التي تسمح بإنتاج أشكال معقدة يصعب تنفيذها بالطرق التقليدية.
ودعا نغو 11 مصممًا وفنانًا من دول مختلفة لتقديم رؤيتهم الخاصة لأدوات المائدة، واضعًا ثلاثة مبادئ رئيسية تتمثل في أن يعكس التصميم شخصية صاحبه، ويحمل هوية ثقافية واضحة، ويستفيد من الإمكانات الكاملة للطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام الفولاذ.
وشهدت المبادرة مشاركة واسعة لمصممين من ثقافات متنوعة، حيث قدم المصمم الكوري مينجاي كيم تصميمًا يجمع بين الشوكة والملعقة والسكين وعيدان الطعام في قطعة واحدة، بينما استوحى المصمم النيجيري نيفيمي ماركوس-بيلو تصميمه من تقاليد الضيافة في نيجيريا، مضيفًا وعاءً خاصًا لغسل اليدين قبل تناول الطعام.
ومن بين أبرز الأعمال، جاء تصميم الفنان البولندي مارتشين روساك المستوحى من زهرة الأوركيد، والذي استلهمه من ذكريات طفولته مع جده، ليحول أدوات المائدة إلى عمل فني يحمل بعدًا عاطفيًا وشخصيًا.
ويرى نغو أن مستقبل أدوات المائدة لن يعتمد فقط على الجمال، بل أيضًا على إمكانية تخصيصها لتناسب احتياجات كل مستخدم، خاصة الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقات الحركية، مستفيدًا من المرونة الكبيرة التي توفرها تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد.
ويعتقد أن انتشار مراكز طباعة المعادن خلال السنوات المقبلة سيجعل تصميم أدوات مائدة مخصصة لكل فرد أمرًا متاحًا بتكلفة معقولة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تجمع بين التكنولوجيا والإبداع.
ورغم هذا التحول التقني، يؤكد نغو أن الإبداع الإنساني سيظل العنصر الحاسم في صناعة التصميم، وأن التكنولوجيا ليست بديلًا عن المصمم، بل أداة تمنحه حرية أكبر لتحويل أفكاره إلى واقع.