د. أسامة السعيد يكتب: لتطمئن قلوبنا
السبت، 11 يوليه 2026 - 06:37 م
د. أسامة السعيد
اليوم، وبرغم كل التحولات والتحديات تحتفظ مصر بتلك المكانة كملاذ آمن فى قلب إقليم يعج بالصراعات، ويموج بتحولات جيوسياسية غير مسبوقة، وبيئة دولية بالغة التعقيد والاضطراب.
كل هذه الجبهات تتطلب عينًا استراتيجية لا تنام، قادرة على قراءة السيناريوهات العسكرية والأمنية المعقدة وضمان عدم تأثر الداخل المصرى بها.
وسط محيط متلاطم من الأزمات والانهيارات الإقليمية والدولية تقف مؤسسات الدولة حارسًا أمينًا على مقدرات هذا الوطن
المسافة بين الأكاديمية العسكرية وبين مركز تنسيق الدفاع عن الدولة، لا تتجاوز كيلومترًا داخل مقر القيادة الاستراتيجية الجديد، لكن تلك المسافة يمكن اعتبارها - دون مبالغة - انتقالاً عبر الزمن وليس فقط اجتيازًا للمكان.
نعم، الانتقال من ساحة العرض داخل مقر الأكاديمية العسكرية، حيث جرى استعراض قدرات الدولة لمواجهة الأزمات التى مرت بنا مثل مكافحة الإرهاب، ومواجهة جائحة فيروس كورونا، والتعامل الاحترافى مع تداعيات الأزمات والحروب الإقليمية والدولية، ثم الدخول إلى القاعة الرئيسية لمركز تنسيق الدفاع عن الدولة، كان بمثابة انتقال واضح من الماضى والحاضر.. إلى المستقبل.
خلال استعراض إمكانيات الدولة التى استخدمت فى مواجهة الأزمات، عاد الجميع بالذاكرة إلى أيام صعبة ولحظات قاسية دمعت فيها العيون، وانقبضت فيها القلوب، لكننا اليوم عندما نسترجعها بعين العبرة وبعقل استذكار الدروس واستلهام جوانب القوة، نمتلئ ثقة فى قدرتنا على اجتياز مختلف التحديات بعون من الله وتوفيق منه ورشد القيادة واحترافية العمل والقدرة على التخطيط العلمى السليم.
وعندما بدأ داخل القاعة الرئيسية لمركز تنسيق الدفاع عن الدولة استعراض نموذج عملى لإدارة أزمة مركبة، بالغة الصعوبة، وتحتاج إلى تنسيق محكم وتعامل سريع وفعال من مختلف أجهزة الدولة، أحسستُ أن روحًا جديدة تسرى فى جسد الدولة المصرية، وأن تلك العقلية القديمة للتعامل البيروقراطى وأسلوب الجزر المنعزلة، قد بات صفحة من الماضى طوتها يد التحديث الشامل الذى لا يتوقف على أرض مصر، ولا يقتصر على الأبنية، إنما يمتد إلى العقول.. وهذا هو الأهم.
■■■
فى نهاية القاعة الرئيسية لمركز تنسيق الدفاع عن الدولة، ومن أعلى نقطة فيها اتخذت مكانى ضمن كوكبة من الصحفيين والإعلاميين، بإطلالة تكشف تفاصيل الشاشة المضيئة فى مواجهة الحضور الذين اتخذت مقاعدهم شكل المسرح المتصاعد، بداية من أولى وأهم درجات القيادة حيث جلس الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قلب منصة القيادة، يتابع باهتمام إدارة الأزمة المركبة التى وضعت لاختبار مدى القدرة على المواجهة والتعامل المتكامل مع تداعياتها.
لم تكن الأزمة الافتراضية سهلة، بل كانت مركبة بالفعل وتفوق أى تصور، أحد جوانبها أزمة طبيعية نتيجة اندلاع زلزال فى منطقة شرق المتوسط، أدى إلى تداعيات خطيرة على عدة محافظات مصرية ساحلية، وامتد التأثير لمحافظات فى صعيد مصر نتيجة انهيار جزئى بإحدى القناطر على النيل ما أدى إلى غرق مساحات واسعة على جانبى النهر، وبالتزامن مع ذلك تعرضت البلاد إلى هجمة سيبرانية استهدفت تعطيل العديد من الخدمات الإلكترونية، وخلقت موجة من الشائعات.
أزمة قد يكون حدوثها فى الواقع - لا قدر الله - أمرًا صعبًا، لكن نموذج التدريب أراد فرض أقصى وأقسى الظروف التى يمكن التعامل معها، واختبار قدرة الوزارات المختلفة والمحافظات المتضررة وغير المتضررة على التصرف والتعامل الفعال كل فى مجاله.
كانت المحافظات السبع والعشرين حاضرة عبر الفيديو كونفرانس، والوزراء المعنيون بإدارة الأزمة يجلسون أمام شاشات متصلة بقواعد بيانات وزاراتهم، وإلى جوارهم أبرز معاونيهم، خلية أزمة متكاملة الأركان يقودها رئيس مجلس الوزراء تحت نظر ومتابعة دؤوبة من جانب الرئيس السيسي.
بدا الجميع كفريق متكامل يخوض معركة حقيقية فى مواجهة تداعيات الأزمة وسباقًا مع الزمن. المعلومات تتدفق عبر الشاشات المختلفة فتضع صانع القرار فى قلب الحدث، يتابع ما يجرى على الأرض لحظة بلحظة. الجميع يتحدث بلغة الثوانى والدقائق وفق حسابات دقيقة تدرك خطورة اللحظة، فكل لحظة فى إدارة الأزمة تساوى أعمارًا. لا مجال لتعارض أو تضارب، بل الوزراء والمحافظون يبدون أشبه بفريق التتابع فى سباق العدو السريع كل عضو فى الفريق يسلم زميله الراية ليواصل الفريق التقدم. الجميع يتكامل ويتعاون لتقديم أفضل أداء وأنجع مقترحات للتعامل الفعال مع الأزمة المركبة.
حتى الخطاب الدينى (الإسلامى والمسيحى) والإعلامى الذى سيوجه للجمهور لحماية الوعى والتصدى للشائعات لم يغب عن التخطيط لإدارة الأزمة، بل كان حاضرًا عبر وزارتى الأوقاف والكنيسة المصرية والدولة للإعلام. أدركتُ ساعتها لماذا كان حضورنا فى تلك القاعة بالغ الأهمية، ولماذا كان وجودنا فى الصفوف الخلفية لمركز تنسيق الدفاع عن الدولة ذا دلالة لافتة، فالإعلام أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة، بل هو من يحمى ظهرها وقت الأزمات، ويرصد بأمانة ومصداقية ما يدور من جهد للتعامل مع تلك الأزمات، ففى مواجهة الأزمة الكل مسئول، والجميع جنود فى جيش المواجهة.
■■■
انشغلتُ على مدى ما يقارب أربع ساعات بتدوين ملاحظات عما يجرى داخل مركز تنسيق الدفاع عن الدولة، الذى يمثل بحد ذاته قصة تستحق أن تروى فى قدرة الدولة المصرية على الانتقال نحو المستقبل، وامتلاك قدرات تقنية توفر أقصى درجات حماية البيانات وأعلى معايير الحفاظ على كفاءة الاتصال بمختلف قطاعات ومناطق الدولة فى ظل أصعب وأدق الظروف.
لكننى ووسط ذلك الانغماس فى متابعة ذلك السباق فى مواجهة الأزمة، عُدتُ بالذاكرة قليلاً إلى الوراء وأنا أستعيد ما كنتُ أطالعه فى الدراسات والتقارير الدولية عن إدارة الأزمات، فقد كان لى حظ المشاركة فى وضع العديد من البرامج التدريبية والمساهمة بالتدريب فيها على الإدارة الإعلامية للأزمات، ما وفر لى الفرصة لإدراك كيف تحول ذلك المجال إلى علم متكامل ومناهج جادة يتنافس العالم على تطويرها وتعليمها وتدريب كوادره عليها.
تذكرتُ تلك المقولة التى أوردها تقرير لمعهد إدارة الأزمات الدولى (ICM): «فى القرن الحادى والعشرين، لم تعد إدارة الأزمات تتعلق بكيفية إخماد الحرائق بعد اشتعالها، بل بامتلاك الهندسة الاستباقية والقدرة على قراءة ما تحت الرماد والتنبؤ بالشرارة قبل أن تنطلق».
تأملتُ مجريات ما شهدته على مدى ساعات من حشد قدرات الدولة، ومشاركة الحكومة بأغلب تشكيلها، وفى حضور رئيس الجمهورية، فأدركتُ أن الدولة المصرية تخطو بالفعل بثقة وثبات على طريق المستقبل بعقل جديد وروح وثابة، وأن ذلك المشهد، وتلك القدرة، وهذه العقلية جديرة بأن تصنع مستقبلاً زاهرًا، وأنه قد آن للمصريين أن تطمئن قلوبهم، وأن يتطلعوا بثقة نحو مستقبل أفضل بإذن الله.
إن تاريخ الأمم والشعوب ـ الذى نحن جزء أصيل منه ـ هو فى مجمله تجسيد لتلك القدرة على التعامل مع الأزمات، ولا توجد منطقة على مر الزمن عرفت الأزمات واعتركت التعامل معها بقدر منطقتنا، منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، وتُعلمنا فصول التاريخ المصرى القديم أن نجاة الأمم من الأزمات الوجودية المركبة لم تكن يومًا وليدة الصدفة، فحين واجهت مصر خطر السنين العجاف على عهد النبى يوسف عليه السلام، لم تنتظر وقوع المجاعة، بل أسست لمنظومة استباقية دقيقة لإدارة المخزون والتنبؤ بمستويات النيل، لتتحول مصر من دولة مهددة إلى ملاذ آمن للإقليم بأكمله.
واليوم، وبرغم كل التحولات والتحديات تحتفظ مصر بتلك المكانة كملاذ آمن فى قلب إقليم يعج بالصراعات، ويموج بتحولات جيوسياسية غير مسبوقة، وبيئة دولية بالغة التعقيد والاضطراب، هذه المكانة لا تقوم على اعتبارات عاطفية أو شعارات رومانسية، بل على بنيان مؤسسى راسخ يجعل الدولة المصرية تقف شامخة، ليس فقط لقدرتها على الصمود والتحمل وممارسة الصبر الاستراتيجى فى مواجهة الأزمات والتحديات المتشابكة، بل لامتلاكها رؤية علمية وعملية فائقة الحداثة فى حماية أمنها القومى بمفهومه الشامل.
ولعل تدشين «القيادة الاستراتيجية» وتأسيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ يمثلان نقلة نوعية وجذرية فى فكر وممارسات الردع الاستراتيجى المصري، فهذه المنظومة المتكاملة لا تعكس مجرد جاهزية للتعامل مع الأحداث الطارئة، بل تجسد تحولاً استراتيجيًا نحو «التعامل الاستباقي» القائم على التنبؤ العلمي، والوقاية العملية، واحتواء الأزمات فى مهدها قبل أن تتحول إلى تهديدات وجودية.
■■■
لفترة طويلة، ركزت الأدبيات التقليدية لإدارة الأزمات على مفهوم «رد الفعل» (Reactive Approach)، أى الانتظار حتى وقوع الحدث ثم التحرك للسيطرة على الأضرار وتقليل الخسائر، إلا أن هذا النهج - رغم شيوعه - لم يعد كافيًا فى عصر «الأزمات المركبة» التى تتداخل فيها التهديدات الأمنية، والاقتصادية، والسيبرانية، والصحية، والمناخية بشكل متزامن.
هنا تبرز الأهمية القصوى للقيادة الاستراتيجية والهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، حيث تتبنى المنظومة المصرية أحدث المعايير العلمية الدولية القائمة على «النهج الاستباقي» الذى يعتمد على الاستشعار عن بُعد والإنذار المبكر من خلال بناء شبكات رصد معلوماتية وفنية متطورة تتابع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية على مدار الساعة، لتحليل المؤشرات الأولية للأزمات المحتملة.
كما يتم توظيف التنبؤ العلمى عبر استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعى ونماذج المحاكاة والسيناريوهات الافتراضية لقراءة المستقبل القريب والبعيد، وتقدير حجم التهديدات بدقة متناهية.
ويقود كل ذلك إلى التخطيط الوقائى من خلال صياغة خطط طوارئ مرنة ومعتمدة مسبقًا، تضمن تحرك كافة أجهزة الدولة فى تناغم تام ولحظى فور ظهور أى بادرة خطر، مما يفقد الأزمة عنصر المفاجأة، ويقلل من خطورة التداعيات، ويقلل من الخسائر المحتملة على الأرواح والممتلكات.
كما أن الفصل بين مركزية التخطيط والاستشراف، ولامركزية التنفيذ يتيح لفرق العمل الميدانية والوحدات التكتيكية (سواء العسكرية أو السيبرانية أو الميدانية) التحرك السريع بمرونة تامة لمواجهة الخطر، بينما تحتفظ القيادة الاستراتيجية بالرؤية الشاملة لتوجيه الدعم والموارد بكفاءة دون حدوث تضارب فى الاختصاصات.
هكذا تعمل منظومة إدارة الأزمات كما رصدتها من قلب مركز تنسيق الدفاع عن الدولة، وهذا التحول يعنى ببساطة أن الدولة المصرية لم تعد تنتظر وقوع الأزمات لتتعامل معها، بل أصبحت تمتلك الأدوات والقدرات التى تمكنها من تفكيك الأزمة وتحييد مخاطرها وهى لا تزال فى طور التكوين.
■■■
ولكى ندرك الأهمية الحيوية لهذه المنظومة، يجب أن ننظر إلى الجغرافيا السياسية الفريدة لمصر والظروف المحيطة بها، فمصر ليست دولة معزولة، بل هى قلب العالم العربى والإفريقي، وتتقاطع مصالحها مع خطوط صدع دولية وإقليمية مشتعلة، وليس أدل على ذلك من تداخل أزمات المنطقة والعالم حيث تشتعل الاضطرابات الإقليمية على حدودها الاستراتيجية الأربعة، فيسود عدم الاستقرار فى بعض دول الجوار، إضافة إلى التهديدات المستمرة للأمن البحرى فى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولاً إلى التنافس على موارد شرق المتوسط.
كل هذه الجبهات تتطلب عينًا استراتيجية لا تنام، قادرة على قراءة السيناريوهات العسكرية والأمنية المعقدة وضمان عدم تأثر الداخل المصرى بها، وعقلاً شاملاً يجيد توظيف الأدوات وتحريك الأطراف المختلفة بأسرع وقت وأعلى كفاءة.
كما أن الأزمات الاقتصادية واللوجستية العالمية المتمثلة فى تذبذب سلاسل الإمداد العالمية، وأزمات الغذاء والطاقة، والتضخم العالمى المستمر تتطلب إدارة استباقية للمخزونات الاستراتيجية للدولة (سلع، طاقة، أدوية)، وهو ما تديره الهيئة باحترافية عبر التنسيق مع الوزارات المعنية لضمان عدم شعور المواطن بأى نقص أو خلل.
وكل تلك الأزمات المحيطة بنا تدور وسط تحديات غير مسبوقة تتعلق باستخدام أدوات حروب الجيل الخامس والتهديدات السيبرانية، إذ لم تعد الحروب تقتصر على الدبابات والطائرات، بل أصبحت الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية (شبكات الكهرباء، المياه، الاتصالات، البنوك .. إلخ) سلاحًا مدمرًا.
لذلك لم يكن مستغربًا أن يركز نموذج الأزمة التى جرى التعامل معها فى افتتاح مركز تنسيق الدفاع عن الدولة على الاستجابة والتعافى السيبرانى السريع، فوفقًا لأحدث المعايير العلمية، لا توجد منظومة رقمية آمنة بنسبة مائة فى المائة، لذلك تركزت الإجراءات الواقعية الفعالة على مفهوم «المرونة والتعافي»، أى امتلاك خطط بديلة وشبكات معزولة (Air-gapped systems) تضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين حتى فى حال تعرض الشبكة الرئيسية لهجوم سيبرانى واسع النطاق، مع القدرة على صد الهجوم وإصلاح الأضرار فى دقائق معدودة.
كما بات «غزو العقول» عبر الشائعات وبث عوامل الإحباط واليأس وإشعال الانقسامات بين مكونات المجتمع من أخطر أسلحة تلك الحرب المدمرة، لذلك لم يكن غريبًا أن تضع الدولة الدفاع عن الوعى الصحيح والتصدى للشائعات فى مقدمة أولوياتها لحماية الأمن الرقمى والسلم الاجتماعى للدولة، وهذا بحد ذاته يتطلب يقظة وفهمًا عميقًا لأدوات تلك الحرب القذرة، والتعامل المبكر معها لتأمين الجبهة الداخلية.
كما يتخذ التعامل المبكر مع الأزمات بعدًا أكثر تعقيدًا عندما يتعلق بأزمات التغير المناخى والكوارث الطبيعية من شح المياه والجفاف إلى الفيضانات والسيول المفاجئة والظواهر المناخية المتطرفة، وكلها أمور خارجة عن سيطرة البشر، لكنها باتت واقعًا ضاغطًا، على الجميع أن يتعامل معه ويتحسب له.
■■■
إن الهدف الأسمى لكل هذا الحشد العلمى والتنظيمى واللوجستى الذى كان لنا شرف حضوره وحظ متابعته عن قرب يتجسد فى كلمة واحدة عميقة الدلالة والأهمية فى نفوس المصريين وهى كلمة «الطمأنينة».
والطمأنينة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل هى حقيقة موضوعية ناتجة عن معطيات ملموسة على أرض الواقع تعزز الأمن القومى من عدة جوانب، فعندما تمتلك الدولة القدرة على استباق الأزمات الخارجية والداخلية، فإنها تحمى قرارها السياسى والسيادى من أى ضغوط أو ابتزاز خارجى قد يستغل لحظات الضعف أو الارتباك أثناء الأزمات.
كما أن تعزيز الاستقرار الاجتماعى والنفسى عبر إدراك المواطن لوجود منظومة قوية ومحترفة تحميه، يقطع الطريق على الشائعات والحروب النفسية والمعلوماتية التى تستهدف بث الذعر والإحباط وزعزعة الثقة بين الشعب ومؤسساته.
فضلاً عن أن تلك الإجراءات تعزز حماية الاقتصاد وتزيد الثقة فى مناخ الاستثمار الآمن والمستقر فى مصر، فرأس المال بطبيعته «جبان» ولا يتوطن إلا فى بيئة آمنة ومستقرة، ووجود قيادة استراتيجية وهيئة متطورة لإدارة الأزمات يعطى رسالة ثقة وضمانة قوية للمستثمرين العالميين والمحليين بأن مشروعاتهم واستثماراتهم فى مصر محمية ضد أى طوارئ أو تقلبات كبرى بفضل مرونة الدولة وقدرتها العالية على الصمود والتعامل مع أية متغيرات.
ولعل حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ختام نموذج محاكاة إدارة الأزمة المركبة عن ضرورة تكرار هذه التدريبات مرة أو مرتين سنويًا، وتقديم تدريبات بمستويات متعددة فى المدارس والجامعات ومختلف مؤسسات الدولة، يعكس إصرار الدولة على تحويل الاستعداد واليقظة من حالة استنفار مؤقتة، إلى ثقافة مجتمعية سائدة وشائعة.
وهذا بحد ذاته يمثل شكلاً من أشكال الاستثمار المستدام فى «العنصر البشري» والتطوير المستمر لبناء الإنسان، فمن شأن إجراء مناورات ومحاكاة دورية وشاملة (ميدانية وافتراضية) تشترك فيها كافة الوزارات والمحافظات والقوات المسلحة، أن يعزز سرعة الاستجابة لأية حالات طارئة ويساهم فى تحديد الثغرات وتصحيحها فورًا فى وقت السلم، لضمان الكفاءة المطلقة وقت الأزمة.
ولعلى هنا أقترح أن تتبنى الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ تعزيز نشر تلك الثقافة عبر مسارين متوازيين: الأول يتضمن إعداد كوادر بشرية مصرية شابة ومؤهلة فى كبرى الأكاديميات الدولية والمحلية، متخصصة فى علم «إدارة المخاطر والاستشراف الاستراتيجي»، لضمان قيادة المنظومة بعقول علمية شابة تتحدث لغة العصر الحالية والمستقبلية، والحمد لله فقد بات لدينا من المؤسسات الوطنية مثل الأكاديمية الوطنية للتدريب ما يكفى لتحقيق ذلك الطموح.
أما المسار الثانى فهو أن تعمل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ بالتعاون مع وزارتى التربية والتعليم، والتعليم العالى على صياغة مقررات دراسية تطبيقية وليست نظرية حول إدارة الأزمات الحديثة، على أن تكون تلك المقررات الدراسية مبنية على نماذج عملية، ويتم من خلالها تنفيذ إجراءات مواجهات الأزمات والطوارئ لطلاب المدارس على اختلاف مراحلهم الدراسية، وبناء نماذج محاكاة ينفذها طلاب الجامعات لإدارة الأزمات كل فى تخصصه (الطب، الهندسة، علوم الحاسبات والذكاء الاصطناعي، الاقتصاد والعلوم السياسية، الإعلام، التمريض، الكليات العسكرية، الشرطة... إلخ)، وأن تكون هناك جائزة وطنية سنوية لأفضل نموذج محاكاة متكامل تقدمه جامعة مصرية لإحدى الأزمات، ويتاح تقديم هذا النموذج أمام الرئيس فى مركز تنسيق الدفاع عن الدولة بحضور مختلف الوزارات والجهات المعنية.
■■■
ختامًا... فإن إطلاق القيادة الاستراتيجية وتفعيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ هما بمثابة «صمام أمان» و«درعٍ واقية» للدولة المصرية الحديثة، فهما يثبتان أن دولة كبيرة ومحورية بحجم ومكانة مصر لا تُقاد بردود الأفعال اللحظية، بل تدار بعقل استراتيجى جامع، يجمع بين عبقرية المكان والزمان، وبين أحدث ما توصل إليه العلم الإنسانى والاستراتيجى فى مجالات التنبؤ، والتخطيط، والاستباق، والسيطرة.
وسط محيط متلاطم من الأزمات والانهيارات الإقليمية والدولية، تقف مؤسسات الدولة حارسًا أمينًا على مقدرات هذا الوطن، ومن هنا، يحق لكل مصرى ومصرية أن يضع يده فى يد مؤسسات دولته الوطنية، وأن يحيا مطمئن القلب، واثقًا أن خلفه قيادة استراتيجية واعية، وجيشًا وطنيًا باسلاً، ومنظومة إدارة أزمات علمية فائقة الاحترافية، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة مستقبل آمن ومستقر ومزدهر يليق بمكانة مصر العظيمة.