غـزة| استقالة حكومة حمـاس بين انتقال سلطــة وإعــــــــــادة التموضــــع
السبت، 11 يوليه 2026 - 06:53 م
الأخبار
سميحة شتا
يعد إعلان حركة حماس حلّ الهيئة الحكومية التى أدارت قطاع غزة منذ عام 2007، واستعدادها لنقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، من أبرز التحولات السياسية التى يشهدها القطاع منذ سيطرة الحركة عليه قبل نحو عقدين. فالقرار لا يقتصر على إنهاء تجربة إدارية امتدت سنوات طويلة، وإنما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الفلسطينية مع التفاهمات الإقليمية والدولية، فى وقت لا تزال فيه غزة تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية فى تاريخها، وسط استمرار آثار الحرب وتعثر استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
وجاء الإعلان عبر المكتب الإعلامى الحكومى فى غزة، حيث أكد إسماعيل الثوابتة أن المؤسسات الحكومية استكملت جميع الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لنقل مسئولياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، فيما قدّم رئيس لجنة الطوارئ الحكومية محمد الفرا استقالته، وأُعلن حل اللجنة رسميًا. كما أوضحت الحركة، فى تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس، أن هذه الخطوة تأتى فى إطار تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإدارة القطاع، وإزالة العقبات أمام بدء مرحلة إعادة الإعمار، مع استمرار الموظفين المدنيين فى أداء أعمالهم باعتبارهم موظفى دولة تحت إشراف الجهة الإدارية الجديدة.
ويمثل القرار امتدادًا لمواقف أعلنتها حماس خلال الأشهر الماضية، أكدت فيها أنها لا تتمسك بإدارة القطاع إذا كان ذلك يسهم فى تخفيف معاناة السكان وإنجاح جهود إعادة الإعمار. ونقلت تقارير عديدة أن قرار الحل جاء بعد مشاورات الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، وأنه يندرج ضمن تفاهمات أوسع تهدف إلى تسهيل انتقال الإدارة المدنية إلى اللجنة الوطنية، مع الحفاظ على استمرارية المؤسسات والخدمات العامة ومنع حدوث أى فراغ إداري..
وتشير المعطيات إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التى يرأسها على شعث وتتخذ من القاهرة مقرًا مؤقتًا، ستكون مسئولة عن إدارة الوزارات والمؤسسات المدنية والإشراف على إعادة الخدمات الأساسية. إلا أن مباشرة اللجنة لمهامها ما زالت ترتبط بترتيبات سياسية وأمنية ولوجستية، فى ظل عدم تمكن أعضائها حتى الآن من دخول قطاع غزة، وهو ما يجعل المرحلة الانتقالية مرهونة بمدى نجاح الوسطاء فى إزالة العقبات التى تعترض تنفيذ الاتفاق..
ويرى مراقبون فلسطينيون أن إعلان حماس يعكس تحولًا فى أولويات الحركة بعد سنوات من الحرب والاستنزاف، إذ باتت الأولوية تتمثل فى إعادة بناء مؤسسات القطاع وتوفير الخدمات الأساسية للسكان، أكثر من التمسك بالإدارة المباشرة. كما أن استمرار آلاف الموظفين فى مواقعهم ضمن هيئة تسيير أعمال مؤقتة يؤكد أن الهدف هو ضمان استمرارية العمل الحكومى وعدم تعطيل مصالح المواطنين إلى حين تسلم اللجنة الوطنية مسئولياتها بشكل كامل..
وفى المقابل، لا تزال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تواجه تحديات عديدة، أبرزها الترتيبات الأمنية وملف نزع أو تجميد السلاح. ويرى عدد من الباحثين أن الحركة سعت إلى الفصل بين الإدارة المدنية والقضايا الأمنية، باعتبار أن لكل منهما مسارًا تفاوضيًا مختلفًا، وهو ما يفسر استمرار النقاش حول كيفية استكمال تنفيذ الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.
وفى هذا السياق، شدد مجلس السلام، المشرف على متابعة تنفيذ التفاهمات، على أن تقييمه للخطوات الجارية سيستند إلى التنفيذ العملي،
مؤكدًا فى بيان أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب قيام سلطة مدنية موحدة قادرة على إدارة القطاع واستعادة الخدمات العامة. كما أكد رئيس اللجنة الوطنية على شعث جاهزية اللجنة لتولى مسئولياتها فور استكمال المتطلبات اللازمة، مشيرًا إلى أن نجاحها يتطلب توفير الإمكانات والدعم اللازمين لإدارة قطاع يواجه أوضاعًا إنسانية واقتصادية معقدة..
وتواجه اللجنة المرتقبة تحديات هائلة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن معظم البنية التحتية فى القطاع تعرضت لأضرار جسيمة خلال الحرب، بينما لا يزال مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون فى مراكز إيواء ومخيمات مؤقتة، مع استمرار الحاجة إلى إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس. ولذلك فإن نجاح الإدارة الجديدة لن يقاس فقط بانتقال السلطة، وإنما بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية وقيادة عملية إعادة الإعمار التى ينتظرها سكان القطاع منذ سنوات..
ويعتقد محللون أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب أيضًا توافقًا فلسطينيًا أوسع، بحيث تتحول اللجنة الوطنية إلى إطار جامع يحظى بدعم مختلف القوى الفلسطينية، بعيدًا عن الانقسام السياسى الذى هيمن على المشهد منذ عام 2007.
فالإدارة المدنية وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع رؤية وطنية مشتركة لإدارة المرحلة المقبلة، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء النظام السياسى الفلسطينى على أسس توافقية..
كما أن الدور الإقليمى سيظل عاملًا حاسمًا فى إنجاح هذا المسار، إذ تواصل مصر وقطر وتركيا اتصالاتها مع مختلف الأطراف لتثبيت وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ بنوده، فيما تستعد القاهرة لاستضافة جولات جديدة من المباحثات لبحث آليات انتقال السلطة وتسهيل دخول اللجنة الوطنية إلى القطاع، بحسب ما أوردته وسائل إعلام عربية.
إن استقالة حكومة حماس لا تعنى نهاية المشهد السياسى فى غزة بقدر ما تمثل بداية مرحلة انتقالية جديدة، عنوانها إعادة ترتيب الإدارة المدنية وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار. ويبقى نجاح هذه المرحلة مرهونًا بقدرة الأطراف الفلسطينية على إدارة الانتقال بسلاسة، وباستمرار جهود الوسطاء لتذليل العقبات، وبوجود دعم عربى ودولى يضمن تمكين المؤسسات الجديدة من أداء مهامها. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن المعيار الحقيقى لنجاح هذه الخطوة لن يكون فى تغيير الهياكل الإدارية فحسب، بل فى قدرتها على إنهاء معاناة السكان، وإعادة الحياة إلى قطاع أنهكته سنوات الحرب والانقسام، وفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقرارًا على المستويين الإنسانى والسياسي.