اللواء إبراهيم عثمان:«الأوكتاجون» نقل العقيدةمن حراسة الحدود إلى إدارة الوجود
الأحد، 12 يوليه 2026 - 10:03 م
بهاء المهدي
منذ فجر التاريخ، حين خطّ الأجداد دستور أول جيش نظامى عرفته البشرية، ومصر لا تنتظر التاريخ بل تصنعه، واليوم، يمتد ذلك الجسر الحضارى العظيم ليتجسد فى «الأوكتاجون»،الصرح الذى يدمج هيبة العمارة الفرعونية بعبقرية الحروب السيبرانية.. فى هذا الحوار الحاسم، يفكك اللواء أ. ح. د. إبراهيم عثمان الخبير الاستراتيجى ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً شفرة العقل الاستراتيجى الجديد للدولة المصرية، ويكشف كيف انتقلت مصر من الدفاع إلى الهيمنة الاستباقية، حيث يعلن «الأوكتاجون» ولادة حقبة تاريخية جديدة من الردع والسيادة المُطلقة فى القرن الحادى والعشرين.
انتهى زمن الأوامر العشوائية ونحن ندير منظومات مُعقدة بالذكاء الاصطناعى
فى البداية ما معنى كلمة الأوكتاجون.. ولماذا هذا الشكل؟
- كلمة الأوكتاجون تعنى النموذج الثمانى وهو الذى بُنى عليه التصميم الهندسى للقيادة الاستراتيجية وهو يجمع مختلف الحضارات المصرية منذ بناء الهرم الذى شُيد على أساس ترسيم الاتجاهات الثمانية أولاً لضبط أضلع المثلث بكل دقة وأيضاً الحضارة الإسلامية وزخرفتها الثمانية على مختلف المساجد الأثرية، والعصر الحديث الذى يراعى مختلف اتجاهات التهديد «شمال وجنوب وشرق وغرب وشمال شرقى وشمال غربى وجنوب شرقى وجنوب غربى».
ما الوصف العام للأوكتاجون؟
- مقر القيادة الاستراتيجية يتكون من عشرة مبانٍ فوق الأرض «ثمانية على شكل ثمانى يتوسطها تقريبا مبنيان قيادة عليا يرتبطون جميعاً بممرات داخلية وخارجية فوق وتحت الأرض» يضم: وزارة الدفاع الجديدة ومقار قيادة الأفرع الرئيسية وهيئات وإدارات القوات المسلحة، والمقر بالكامل يتواجد داخل الكيان العسكرى الذى يضم 13 منطقة تتضمن: الأكاديميات والكليات والمعاهد العسكرية وغيرها.. ينبغى ألا ننظر إلى الأوكتاجون باعتباره مجرد مبنى أو مجمع إدارى، بل باعتباره جزءاً من تحول مؤسسى أوسع فى بنية الأمن القومى المصرى كنموذج متكامل للقيادة الاستراتيجية الوطنية.
صف لنا كيف كانت القيادة من قبل؟
- فى خمسينيات القرن الماضى كانت القيادة العسكرية تركز على قيادة القوات «C2» بمفهوم القيادة والسيطرة، وفى السبعينيات تطورت إلى «C3» القيادة والسيطرة والاتصالات، ومنتصف التسعينيات تطورت إلى «C4» القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر، ثم أول الألفية الثانية تطورت إلى «C4ISR» بإضافة الاستخبارات والإنذار المبكر والتوجيه والاستطلاع فانتقلت القيادة من إصدار الأوامر إلى إدارة منظومات مُعقدة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعى والاتصالات المُؤمنّة ونموذج القيادة الاستراتيجية الوطنية المتكاملة يقوم على دمج القيادة والسيطرة مع الاستخبارات والاستشراف وإدارة الأزمات واستمرارية الدولة والتخطيط وصنع السياسات والقوة الشاملة للدولة سواء العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية أو المعلوماتية أو التكنولوجية وغيرها.
وما مفهوم القيادة الاستراتيجية المصرية؟
- القيادة الاستراتيجية المصرية هى منظومة وطنية عليا تُعنى بتنسيق وتوجيه وإدارة عناصر القوة الوطنية ذات الصلة بالأمن القومى، ودعم القيادة السياسية فى التخطيط وإدارة الأزمات واتخاذ القرار.
وما المستويات التنظيمية لأى قيادة استراتيجية مُوحدة؟
- المستوى السياسى: القيادة العليا والتى تتضمن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة مع المؤسسات الدستورية المعنية بالأمن القومى وخاصة المجالس القيادية «مجلس الأمن القومى - مجلس الدفاع الوطنى - المجلس الأعلى للقوات المسلحة».
المستوى العسكرى: القيادة الاستراتيجية والقيادة العامة للقوات المسلحة بهيئة الأركان والأفرع الرئيسية والقيادات الاستراتيجية والتخصصية بوظائفها العامة «التنسيق - دعم القرار - إدارة الأزمات - القيادة المشتركة - التخطيط طويل المدى-إدارة المعلومات-... وغيرها».
مستوى القيادة والسيطرة: منظومة القيادة والسيطرة التى تشمل: «مراكز القيادة - غرف العمليات - نظم القيادة والسيطرة - شبكات الاتصالات - نظم إدارة المعلومات - نظم دعم القرار-... وغيرها».
المستوى الاستخبارى: لمنظومة الاستخبارات لجمع المعلومات والتحليل والإنذار المبكر والتقدير الاستراتيجى والاستشراف المستقبلى.
المستوى التكنولوجى: منظومة التكنولوجيا التى تشمل: الذكاء الاصطناعى والبيانات الضخمة والأمن السيبرانى والأقمار الصناعية والاستشعار والاتصالات المُؤمنّة والحوسبة السحابية والشبكات الرقمية.
مستوى إدارة الأزمات والطوارئ: منظومة إدارة الأزمات والتى تتناول: إدارة الكوارث وإدارة الموارد الوطنية والتنسيق المُسبق بين الجهات لوضع السيناريوهات المستقبلية واتخاذ القرارات لحلها قبل وقوعها.
المستوى اللوجيستى: من النقل والإمداد والصيانة وغيرها لاستمرارية مختلف العمليات.
وما أبرز خصائص القيادة الاستراتيجية من وجهة نظرك؟
- تنفيذ القيادة المركزية بشكل عام مع قيادة لا مركزية فى التنفيذ على مختلف الاتجاهات وفى توقيت واحد.. وكذلك تحقيق التكامل بين الأفرع الرئيسية وقيادات القوات والتشكيلات التعبوية والجهات المعنية بالدولة، وأيضاً الاعتماد على المعلومات فى دعم القرار.
وما أبرز وظائف القيادة الاستراتيجية؟
- بشكل عام تتلخص وظائفها فى توجيه عناصر القوة الشاملة، وإدارة التهديدات والتحديات والمخاطر، والتنسيق بين المؤسسات، ودعم التخطيط القومى، وضمان حماية الدولة.
لماذا الإنشاء والافتتاح فى هذا التوقيت؟
- التوقيت ليس عشوائياً إنما يرتبط بعديد من المتغيرات أهمها: تطور بيئة التهديدات الدولية، فضلاً عن التحول العالمى نحو مفهوم القيادة المشتركة متعددة المجالات وتأثير الذكاء الاصطناعى والطائرات غير المأهولة والأنظمة ذاتية التشغيل والفضاء والاتصالات الحديثة، وأيضاً تطور البيئة الإقليمية للعديد من الصراعات المسلحة، وكذلك تطور مفهوم الأمن القومى.
وما الأهداف من إنشاء القيادة الاستراتيجية؟
- دعم واتخاذ القرار بتوحيد القيادة والسيطرة بمفهوم علمى واسع لتكون قادرة على دمج المعلومات وتحليلها وإصدار القرار ومتابعة تنفيذها فى زمن شبه لحظى.. وإدارة العمليات المشتركة بتخطيط استراتيجى شامل.. وكذلك إدارة جميع الاتجاهات الاستراتيجية فى وقت واحد ومتابعتها بصورة متزامنة.
فضلاً عن إدارة الأزمات والطوارئ وعدم حصر الأزمات على الصراعات فقط بل مختلف الأزمات.
وكذلك دعم القيادة السياسية بتوفير صورة موقف استراتيجية مُوحد وانتهاء وقت تعدد المصادر.
وما الرسائل الاستراتيجية؟
- داخلياً: التأكيد على أن الدولة تستثمر فى المستقبل من خلال تطوير مفاهيم ومؤسسات الأمن القومى ورفع كفاءة إدارة الأزمات والطوارئ.. وإقليمياً يُعد رسالة ردع باليقين.. أما دولياً فيأتى لمواكبة الجيل الجديد من القيادات وتحديث البنية المؤسسية وتعزيز صورة الدولة كشريك أمنى إقليمى.
وفى نهاية الحوار أكد اللواء إبراهيم عثمان هلال الخبير الاستراتيجى ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً أن القيادة الاستراتيجية تمثل نقطة انطلاق أوسع نحو المستقبل وليست مجرد منشأة ذات طابع عسكرى بل هى قيادة حديثة تنقل مصر من التركيز على الهياكل التنظيمية إلى تحليل النظم المتكاملة التى تربط بين الأمن القومى والتخطيط القومى والاستراتيجى والتكنولوجيا والقوة الشاملة للدولة.