مخاطر افتقاد المنطق وشيوع المغالطات
الإثنين، 13 يوليه 2026 - 07:52 م
الأخبار
د.محمد سليم شوشة
ما يجرى الآن فى الثقافة العربية حالة من التلاعب الواسع باللغة، حالة من التلاعب متعدد المنابع والمصادر
ربما يفاجأ كثير منا حين يعلمون أن التفكير السليم أو الصحيح والمنطقى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاعتياد أو بما هو سائد، أى أنه ليس مطلقاً ويفرض نفسه فى كل الأحوال وكل السياقات، فكثير من المجتمعات ساد فيها الزيف والباطل والشر فى الوقت الذى كان يعتقد فيه الناس فى هذه المجتمعات أنهم فى أفضل أحوالهم من حيث السعى إلى الحقيقة والحق والخير، لا أقصد أن يكون ذلك من منظور غيرهم فقط، بمعنى أن يدمروا أنفسهم فى الوقت الذى يرون فيه أنهم يسعون للخير، وهناك تجارب عديدة من التاريخ أبرزها مرحلة شيوع السفسطة فى اليونان القديمة فى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث عُدَّت حركتهم تزييفا وانحرافا عن الحق والحقيقة والقيم وأنها كانت مجرد نزعات بلاغية تتلاعب بالكلام وتوظف اللغة توظيفات خاصة.
هذا الحال من كسر العقلانية والمنطق وبالتالى خلخلة القيم متجددة فى احتمالاتها عبر كل العصور والأزمان وكل المجتمعات البشرية، وتصبح احتمالاتها فى الذروة حين يمس التلاعب اللغة السائدة فى المجتمع أو تتسع مساحات هذا التلاعب، فالقيم والقناعات والأيديولوجيا بأشكالها السلبية والإيجابية وكذلك أنماط التفكير كلها مرهونة باللغة ومساراتها المتحققة فعليا فى المجتمع، فكما قررنا سابقاً أن مؤشر قياس أنماط التفكير أو الفكر السائد فى المجتمع هو اللغة.
ما يجرى الآن فى الثقافة العربية حالة من التلاعب الواسع باللغة، حالة من التلاعب متعدد المنابع والمصادر، فليس له مصدر واحد أو محدد، قديماً كان يمكن لفئة معينة من المشتغلين بأحد المجالات أن يتلاعب باللغة، أبرزهم مثلا فى تاريخنا المتصوفة والمتكلمون أو أهل الكلام وبالطبع المشتغلون بالفلسفة والمنطق وكذلك الفنانون والشعراء، هؤلاء هم الذين يمكن أن يغيروا فى لغة المجتمع ويفرضوا أشكالاً جديدة من اللغات، وما نقصده باللغة هنا ليس القواعد أو هل هى العربية أم الإنجليزية، ولكن شكل اللغة نفسها، أى مدى منطقيتها ودقة مصطلحاتها ودقة تسمياتها وفاعليتها فى تحقيق الاتفاق أو الاتصال الفعّال وابتعادها عن السفسطة والمغالطات والتزييف وصناعة حالات من الوهم.
أضرب مثلاً، لنتخيل أن لغة الإعلانات فى حقبة معينة أقنعت الجماهير بقيمة السلع المستوردة، وأنها الأجدى لهم وأنه من الغباء الكامل الاعتماد على ما ليس مستورداً، أليست هذه لغة يمكن أن تكون تخريبية وتضليلية إن سادت وانتشرت وبخاصة إذا كانت لا تقارن بشكل موضوعى بين السلع ولم تكن أكثر من انتصار أعمى للمستورد، هل نتخيل حكم كارثية هذه الفكرة لو قامت لغة على نشرها والتكريس الكامل لها بما يقنع الناس فعلا؟ فتقضى على صناعات محلية نامية ومجتهدة مثلا أو تجعلنا مسلوبى الخبرة دائما ونشترى كل شىء من الآخر؟ هذه مجرد مثال على ما يمكن أن يحدث من تلاعب عبر اللغة وعبر عمليات من الإقناع تتم بشكل لانهائى ويستهدف العقول.
يمكن مثلاً للغة خطاب قوى أن تقنعنا بأن فلاناً رمز للعلم والأمانة والابتكار، وهذا الرمز يكون فى حقيقته أكذوبة تم الاشتغال عليها بوعى وببراعة وإلحاح، كثير من المغالطات يمكن أن تسود فى المجتمع من هذا الباب، وكما قلت إن مصادر ومنابع التلاعب باللغة أصبحت كثيرة جدا بعد هذا الانفجار فى الوسائط والميديا وأشكال الخطاب بين الفيلم والمسلسل والمسرحية والريلز ومباريات كرة القدم والكتب والقصص والروايات وحتى أفلام الإنيمشن وقصص الأطفال والحواديت الشعبية وغيرها الكثير من أشكال الخطاب.
الصحافة والإعلام الآن مثلا فيهما انفجار بأنماط عديدة من الخطاب الجديد مثل البودكاست والريلز والتقرير المصوّر والحكاية الصحفية بالإضافة إلى الأنماط التقليدية، كل هذه الأدوات يمكن أن ترسخ أشكالاً من التزييف والتضليل وتفقدنا المنطق وتشيع المغالطات بكل سلاسة ودون أن ندري، أو بلغة أدق، أن يشيع ذلك كله من أشكال التضليل فى الوقت الذى نتصور فيه أننا نسعى إلى الحقيقة والمعرفة ونسعى إلى الحرية، المشكلة أن هذا الانفجار فى مصادر الخطاب ومنابعه وأنماطه جاء دون تقييد أو التزام، فالمجتمعات الناشئة معرفياً والتى غاب عنها التفكير الفلسفى والعلمى وكان محرما فيها لقرون لن تكون ثقافة الالتزام بالحقيقة وبالمنطق والموضوعية راسخة أو معتادة.
لدينا الآن قطاعات تتصور أنها تناضل من أجل الحق وهم فى الحقيقة يشيعون الأكاذيب ويروجون لإشاعات ويعملون على شحن الجماهير بالغضب ويبتعدون عن كل منطق أو نقاش علمى حر يتأسس على المعرفة، والحقيقة أن الأمثلة على هذا كثيرة، وللحديث بقية.