العلم يفســــر زيادة هجمات
الثلاثاء، 14 يوليه 2026 - 09:48 م
الأخبار
دراسات سلوكية: اللدغة دفاع عن النفس وليست هجومًا متعمدًا
تكررت فى القرى المصرية هذا الصيف، أخبار عن لدغات ثعابين سامة، خصوصًا من الكوبرا المصرية، ما يثير شكوك حول أن هذه الزواحف أصبحت أكثر انتشارًا أو عدوانية تجاه البشر.. لكن الدراسات العلمية وخبراء الحياة البرية يقدمون تفسيرًا مختلفًا، فالمشكلة لا ترتبط بتغير جوهرى فى سلوك الكوبرا بقدر ما ترتبط بتداخل عوامل بيئية ومناخية وزراعية جعلت فرص اللقاء بينها وبين البشر أكبر خلال أشهر الحر.
وتُصنف الكوبرا المصرية ضمن الحيوانات ذات الدم البارد، أى أن درجة حرارة جسمها ونشاطها الحيوى يعتمدان بصورة مباشرة على درجة حرارة البيئة المحيطة.
وتوضح دراسة نشرتها دورية «جورنال أوف ثيرمال بايولوجى» أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدى إلى زيادة معدلات الأيض والحركة والهضم لدى الزواحف، ما يدفعها إلى توسيع نطاق نشاطها اليومى والبحث عن الغذاء بصورة أكبر مقارنة بفترات البرودة.
وخلال الشتاء تدخل الكوبرا فى حالة من الخمول الفسيولوجى تنخفض خلالها معدلات التغذية والحركة إلى مستويات متدنية، لكن مع ارتفاع الحرارة فى الربيع والصيف تستعيد نشاطها الكامل، وتبدأ رحلة البحث المكثف عن الفرائس لتعويض فترة الخمول السابقة.
ويفسر ذلك سبب ارتفاع فرص مشاهدة الثعابين أو التعرض للدغاتها خلال هذه الفترة من العام دون أن يعنى ذلك زيادة فى عدوانيتها.
موسم التكاثر
ولا يقتصر الأمر على البحث عن الغذاء فقط، إذ تمثل أشهر الربيع والصيف أيضًا موسم التكاثر الرئيسى للعديد من أنواع الثعابين السامة فى شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
وتشير أبحاث منشورة فى دورية «هيربتولوجيكال كونسيرفيشن أند بايولوجى» إلى أن ذكور الثعابين تقطع خلال موسم التزاوج مسافات أكبر بكثير من المعتاد بحثًا عن الإناث، ما يؤدى إلى اتساع نطاق انتشارها وارتفاع احتمالات عبورها بالقرب من المناطق المأهولة بالسكان.
ويقول خبراء الحياة البرية إن هذا النشاط الموسمى المكثف يرفع ببساطة احتمالات التقاء البشر بالثعابين، وهو ما ينعكس فى صورة زيادة أعداد اللدغات المسجلة خلال الصيف.
لكن الحرارة وحدها لا تفسر الظاهرة، فالكوبرا المصرية مفترس متخصص يعتمد بدرجة كبيرة على القوارض، لذلك فإن أى عوامل تؤدى إلى زيادة أعداد الفئران والجرذان ستجذب الثعابين تلقائيًا.
وتؤكد دراسة نشرتها دورية «بايولوجيكال كونسيرفيشن» أن وفرة الفرائس تعد أحد أهم العوامل المحددة لتوزيع الثعابين السامة حول التجمعات البشرية.
وفى الريف المصرى، توفر الحقول الزراعية ومخازن الغلال وأكوام التبن والحطب بيئة مثالية للقوارض، ما يجعلها بدورها مناطق جذب للكوبرا الباحثة عن الغذاء.
ولهذا السبب تتركز نسبة كبيرة من حوادث اللدغ حول الحقول والمخازن الزراعية وأماكن تخزين المحاصيل أكثر من المناطق السكنية نفسها.
خريطة
انتشار الكوبرا
وتمثل هذه المتغيرت الصيفية التى جاءت فى تلك الدراسات أسباب عامة تفسر زيادة الإصابات مع ارتفاع درجة الحرارة، لكن أستاذ علم الحيوان الدكتور عبده محمد ناجى، يرى أن بعض التغيرات البيئية الأخيرة قد تكون ساهمت فى زيادة الاحتكاك بين البشر والثعابين صيفًا.
ومن بين هذه العوامل مشروعات تبطين الترع وتجريف المصارف وإزالة الغطاء النباتى من بعض المجارى المائية، وهى إجراءات ضرورية لتحسين كفاءة إدارة المياه، لكنها قد تؤدى فى الوقت نفسه إلى فقدان بعض الثعابين لمواطنها الطبيعية.
وتدعم هذه الفرضية دراسات عالمية عديدة، من بينها أبحاث منشورة فى دورية «جلوبال إيكولوجى أند كونسيرفيشن»، أظهرت أن فقدان الموائل الطبيعية يدفع الحيوانات البرية إلى الاقتراب من المناطق المأهولة، ما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الاحتكاك بينها وبين الإنسان.
ويضيف ناجى إلى ذلك احتمال تراجع أعداد بعض المفترسات الطبيعية للثعابين، وعلى رأسها النمس المصرى، وهو أحد أشهر أعداء الكوبرا فى البيئة المصرية.
الأرز عامل إضافى
وتبرز أيضًا الحقول المغمورة بالمياه خلال موسم زراعة الأرز كأحد أخطر البيئات المرتبطة بلدغات الثعابين، كما يوضح ناجى.
ويقول إن «المياه والنباتات الكثيفة توفر بيئة مناسبة لاختباء الثعابين، بينما يعمل المزارعون لساعات طويلة داخل الحقول، ما يزيد احتمالات التعرض للدغات العرضية».
وتشير دراسات وبائية أجريت فى عدد من الدول الآسيوية والإفريقية إلى أن العاملين فى الزراعة يمثلون الفئة الأكثر تعرضًا للدغات الثعابين السامة عالميًا، وأن خطر الإصابة يرتفع بوضوح خلال مواسم الزراعة والحصاد.
سمعة مخيفة ولكن
ورغم سمعتها المخيفة، فإن الدراسات السلوكية تؤكد أن الكوبرا المصرية لا تعتبر الإنسان فريسة، بل تنظر إليه باعتباره خطرًا يجب تجنبه.
وتوضح أبحاث منشورة فى دورية «بيهيفيورال بروسيسِز» أن السلوك الدفاعى لدى الثعابين يتدرج عادة من الهروب والاختباء إلى إظهار التهديد، ثم اللدغ كخيار أخير عندما تصبح فرص الهروب محدودة.
وبعبارة أخرى، فإن معظم اللدغات لا تحدث، لأن الثعبان يبحث عن مهاجمة الإنسان، بل لأن الإنسان فوجئ بوجوده أو اقترب منه بصورة جعلته يشعر بالخطر.
ولا تقتصر خطورة لدغات الثعابين على مصر وحدها، فمنظمة الصحة العالمية تصنف التسمم الناتج عن لدغات الثعابين ضمن الأمراض المدارية المهملة، وتقدر أن نحو 5.4 مليون شخص يتعرضون للدغات الثعابين سنويًا حول العالم، ينتج عنها ما بين 81 ألفًا و138 ألف حالة وفاة، إضافة إلى مئات الآلاف من حالات الإعاقة الدائمة.
وتؤكد المنظمة أن سرعة الحصول على المصل المضاد للسموم تمثل العامل الأكثر حسمًا فى تقليل الوفيات والمضاعفات.
تقليل الخطر
ويرى المختصون أن الحد من لدغات الكوبرا لا يعتمد على القضاء على الثعابين بقدر ما يعتمد على إدارة العلاقة مع البيئة المحيطة. ويشمل ذلك إزالة أكوام الحطب والتبن القريبة من المنازل، ومكافحة القوارض، وارتداء الأحذية الواقية أثناء العمل الزراعى، واستخدام الإضاءة ليلًا عند السير فى الحقول.
كما يشدد الخبراء على ضرورة دعم المستشفيات المركزية والريفية بالأمصال المضادة للدغات الثعابين، خصوصًا خلال أشهر الصيف، التى تشهد ذروة النشاط السنوى للكوبرا المصرية.