أجمل ما فى هذا الوطن

د.آمال عثمان

الأربعاء، 15 يوليه 2026 - 06:09 م

آمال عثمان

إنها ليست حكاية مصطفى زيكو وحده، بل حكاية كل أسرة مصرية آمنت بأن البطولة لا تُولد مع أصحابها، وإنما تُصنع فى بيوتٍ يغرس فيها الآباء القيم قبل الأحلام، وتعلم فيها الأمهات شرف الكفاح. أحيانًا، صورة تختصر قصة وطن بأكمله. لم تكن تلك الصورة هدفًا أحرزه لاعب، ولا كأسًا رفعها منتخب، بل صورة مصريين احتشدوا لاستقبال منتخبهم بالهتافات وعبارات الفخر، ووجوه تتابع المشهد من الشاشات فى البيوت والمقاهى والساحات، اجتمعوا جميعًا ليقولوا إن ما صنعه المنتخب المصرى فى كأس العالم كان أكبر من مجرد مباراة، وأعمق من مجرد نتيجة، لم يروا فى اللاعبين فريقًا عاد من بطولة، بل أبناءً عادوا مرفوعى الرأس بعدما حملوا اسم مصر بكل شرف وبسالة.  المشهد الأجمل لم يكن داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه. دعوات ملايين المصريين ترتفع من القلوب. شعب بأكمله على اختلاف أعماره وانتماءاته ومواقعه، توحّد خلف دعاء واحد، وأمل واحد. رفع الجميع العلم نفسه، ورددوا الاسم نفسه، وتقاسموا الحلم نفسه. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للرياضة؛ فهى لا تمنحنا لحظات الفرح فقط، بل تذكرنا بأن أجمل ما فى هذا الوطن قدرته على جمع أبنائه حول حلم واحد، وقلب واحد، وراية واحدة. دموع القائد.. وحلم شعب ربما تنسى الجماهير بعد سنوات نتيجة مباراة، وربما تنسى أسماء من سجلوا الأهداف، لكنها لن تنسى أبدًا صورة محمد صلاح وهو يبكى. لم تكن تلك دموع لاعب احتفل بفوز كروى، ولا دموع نجم عالمى اعتاد منصات التتويج، بل كانت دموع قائد حمل على كتفيه، لسنوات طويلة، حلم أمة كاملة، ثم رأى ذلك الحلم يتحول إلى حقيقة، حين قاد منتخب بلاده إلى التأهل التاريخى لأول مرة إلى دور الستة عشر. كانت دموع إنسان شعر بثقل المسئولية، وتحمّل من الضغوط بقدر ما نال من المحبة، ثم وجد نفسه يمنح شعبه لحظة طال انتظارها. فى تلك اللحظة، تكلمت الدموع نيابة عن الكلمات، وقالت ما عجزت اللغة عن وصفه. حلم العميد.. واعتراف المنتصر جاءت دموع العميد حسام حسن بعد مواجهة الأرجنتين، مختلفة فى معناها، لكنها لا تقل صدقًا. كانت دموع مدرب رأى حلمًا أكبر يقترب حتى كاد يلامسه، قبل أن يتحول إلى سراب فى اللحظات الأخيرة. لم يكن يبكى خسارة مباراة، بل فرصة تاريخية كانت على مرمى خطوات، بعد أداء بطولى أربك بطل العالم، وأجبره على خوض واحدة من أصعب مبارياته فى البطولة. وهو شعور زادته حدةً القرارات التحكيمية التى أثارت جدلًا واسعًا، رأى الكثيرون أنها أثرت فى مجريات المباراة، وأبقت الحديث عن تلك المباراة حاضرًا حتى بعد انتهائها. وعلى الجانب الآخر، كشفت ملامح ميسى، وبعض أفراد الجهاز الفنى الأرجنتينى، حقيقة لا تقل أهمية. فلم يكن البكاء الذى أعقب صافرة النهاية تعبيرًا عن فرحة انتصار، بقدر ما كان اعترافًا بحجم المعركة التى فرضها المنتخب المصرى، وبأن العبور لم يكن سهلًا كما أوحت النتيجة. أدرك المنتصر، قبل غيره، أنه كان على بُعد لحظات من خسارة حلمه. شرفتوا بلدكم تنتهى البطولات، وتُطوى صفحات النتائج، لكن تبقى بعض المشاهد طويلًا فى ذاكرة المصريين عصية على النسيان. مشاهد دموع الفرح التى انهمرت من أعين الجماهير، وهى تستقبل لاعبيها بهتاف واحد: «شرفتوا بلدكم». لم تكن تلك مجرد كلمات ترحيب، بل كانت شهادة شعب لوطنه قبل أن تكون شهادة لفريقه. دموع لا تُشترى، ولا تُصنع أمام الكاميرات، وإنما تخرج من القلب عندما يشعر الإنسان أن علم بلاده ارتفع عاليًا، وأن أبناءها أدوا رسالتهم بكل شرف ورجولة وإخلاص. فالصور الصادقة لا تحفظ ملامح اللحظة فحسب، بل تحفظ روحها أيضًا، وتبقى شاهدًا على المواقف التى يكتشف فيها الناس أجمل ما فى أنفسهم.  ربما كان هذا هو المكسب الحقيقى الذى خرجت به مصر من كأس العالم. فما إن انتهت المباراة حتى بدا واضحًا أن المصريين لم يكونوا يتحدثون عن نتيجة، بل عن رجال قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، واستحقوا احترام العالم. أبقى من الإنجازات لقد منحنا هذا المنتخب إنجازًا رياضيًا سيبقى فى سجلات التاريخ، لكنه منحنا ما هو أبقى من الإنجازات؛ أعاد إلينا شعورًا جميلًا بأن مصر، مهما اختلف أبناؤها فى الرأى أو الفكر أو الانتماء، تستطيع أن تجتمع حول حلم واحد، وقلب واحد، وراية واحدة. وربما كانت هذه هى البطولة الحقيقية التى لا تُقاس بالكئوس ولا بالميداليات، وإنما بما تتركه فى وجدان الشعوب.  لهذا، لم يكن أجمل ما فى تلك الأيام هدفًا، ولا مباراة، ولا حتى إنجازًا تاريخيًا. كان أجمل ما فيها أن الوطن، بدا كما نحبه جميعًا؛ وطنًا واحدًا، وقلبًا واحدًا، وشعبًا واحدًا. تلك صورة تستحق أن تبقى فى ذاكرتنا طويلًا، لأنها تذكرنا دائمًا بأن أجمل ما فى هذا الوطن.. هو المصريون حين يجتمعون على قلبٍ واحد من أجله. بطل صنعته أسرة لم يصل مصطفى زيكو إلى كأس العالم وحده، بل وصل ومعه رحلة أسرة كاملة كتبت سطورها بالصبر والعمل والوفاء. فما إن خرج يحكى تفاصيل حياته فى برنامج «الحكاية»، حتى اكتشف المصريون أن وراء هذا اللاعب حكاية أكبر كثيرًا من هدف ألغاه الحكم، أو آخر أعاد به الفرحة إلى قلوب الملايين. كانت حكاية إنسان لم ينسَ بداياته، ولم يتنكر يومًا لمن مهدوا له الطريق. تحدث بفخر عن والده، الذى كان يقف معه فى «الفرشة» بسوق شبين الكوم، يعلمه قيمة العمل قبل أن يتعلم مهارات الكرة. وروى، دون خجل، كيف كان يعمل بعد التدريب ليساعد أسرته، وكيف عرف قسوة الحياة مبكرًا. ثم تحدث بحب وامتنان عن أمه، التى حملت مسئولية الأسرة بعد رحيل الأب، وواجهت الحياة بشجاعة وصبر حتى صنعت من أبنائها رجالًا يعرفون معنى الكفاح. ولم ينسَ شقيقه الأكبر، الذى تحمّل مسئوليات تفوق سنه، واختار أن يؤجل أحلامه حتى يفسح لإخوته الطريق نحو أحلامهم. ولم يتوقف وفاؤه عند ذلك، بل امتد إلى زوجته، التى عرفها قبل سنوات طويلة من الشهرة، وظلت تؤمن بموهبته وتشجعه حتى تزوجا، ثم رزقهما الله طفلًا صغيرًا، يستمد منه التفاؤل قبل كل مباراة. كانت التفاصيل التى رواها أكبر من مجرد ذكريات شخصية؛ فقد كشفت أن النجاح لا يولد فجأة، وأن هذا الشاب لم يصنعه الملعب وحده، بل صنعته أسرة آمنت به، واحتضنت حلمه، زرعت فيه القيم، وأيدٍ امتدت إليه بالعون، ومنحته القوة ليواصل رحلته حتى النهاية.   ليست حكاية «زيكو»  أما أكثر ما لامس قلوب المصريين جميعًا، فكان الإنسان الذى ظهر خلف اللاعب. لذلك لم تكن القبلة التى وضعها الإعلامى عمرو أديب على رأسه تكريمًا للاعب تألق فى كأس العالم، وإنما كانت تقديرًا لابنٍ لم ينسَ فضل أبيه، ولا تضحيات أمه، ولا مواقف شقيقه الأكبر، ولا وفاء زوجة آمنت بحلمه قبل أن يعرفه الملايين. بل كانت احترامًا لشاب لم يتجمل أمام الكاميرات. فلم يتنكر لمن وقفوا إلى جواره، ولم يخجل من قسوة البدايات، ولا من العمل فى الشارع، ولا من سنوات الفقر والتعب. بل تحدث عنها باعتزاز، لأنها كانت المدرسة التى صنعت شخصيته، قبل أن تصنع موهبته. وربما لهذا شعر كثير من المصريين أن تلك القبلة لم تكن من عمرو أديب وحده، بل كانت نيابة عن كل المصريين. لقد أثبت هذا الابن البار أن النجاح لا يغيّر الإنسان النبيل، بل يكشف أصالته. إنها ليست حكاية مصطفى زيكو وحده، بل حكاية كل أسرة مصرية آمنت بأن البطولة لا تُولد مع أصحابها، وإنما تُصنع فى بيوتٍ يغرس فيها الآباء القيم قبل الأحلام، وتعلّم فيها الأمهات أبناءهن شرف الكفاح، ويتحمل فيها الإخوة المسئولية، وتؤمن فيها الزوجات بالأحلام، ثم يخرج منها رجال يحملون اسم مصر بكل فخر. فالأبطال لا يصنعون أنفسهم وحدهم، بل تصنعهم بيوت يملؤها الحب، وتربى أبناءها على الكفاح، وتعلمهم أن الوفاء لمن صنعوا البدايات هو أول طريق النجاح .