ياسر عبد العزيز يكتب: أمجاد الكرة لا تُكتب بالصدفة !!
الخميس، 16 يوليه 2026 - 07:21 م
ياسر عبدالعزيز
هناك من يظن أن كرة القدم تبدأ عندما يطلق الحكم صافرة البداية، وتنتهى عندما يرفع القائد الكأس. وهذه واحدة من أكبر الأوهام. فالمباراة ليست إلا الصفحة الأخيرة فى كتاب طويل، أما الفصول الحقيقية فتُكتب فى غرف الاجتماعات، ومراكز التدريب، وعقول الذين يرون الغد قبل أن يراه الآخرون.
ولهذا، فإن التاريخ لا ينصف دائمًا أصحاب الهتافات، لكنه فى النهاية ينحاز إلى أصحاب الرؤية. فالإنجاز الكبير لا يولد من ضربة حظ، ولا تصنعه المصادفات، وإنما تكتبه سنوات من التخطيط والصبر والعمل المتواصل.. ومن هذا المنطلق، يصبح من الصعب الحديث عن مسيرة المهندس هانى أبوريدة داخل الكرة المصرية باعتبارها مجرد فترة إدارية عابرة. فالرجل ارتبط اسمه بمحطات استثنائية، خصوصًا فى المناسبات المونديالية، حتى أصبح أكثر رؤساء اتحاد الكرة المصرى حضورًا فى تاريخ مشاركات الفراعنة بكأس العالم.
فالمنتخب المصرى تأهل إلى نهائيات كأس العالم أربع مرات فقط منذ انطلاق رحلته الكروية، وجاءت اثنتان من هذه المشاركات خلال فترة رئاسة هانى أبوريدة، الأولى فى روسيا عام 2018، والثانية فى مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك 2026. وعندما يتكرر الإنجاز فى حقبة واحدة، فإن الأمر يتجاوز حدود المصادفة إلى مشروع يعرف كيف يحدد أهدافه، وكيف يسير إليها.
ولم يكن التأهل إلى كأس العالم هو المحطة الوحيدة فى هذه الرحلة، فالتاريخ يحتفظ أيضًا بصفحات مضيئة شهدت مشاركة أبوريدة فى صناعة جيل استثنائى قاده المعلم حسن شحاتة إلى احتكار لقب كأس الأمم الإفريقية ثلاث مرات متتالية، وهو إنجاز سيظل واحدًا من أعظم الإنجازات فى تاريخ الكرة الإفريقية. وقبل ذلك، كان حاضرًا فى تجربة منتخب الشباب بقيادة الكابتن شوقى غريب، التى انتهت ببرونزية كأس العالم، ثم تواصلت النجاحات مع منتخبات الأوليمبى والشباب والناشئين، لتؤكد أن الاهتمام بالقاعدة كان خيارًا استراتيجيًا، لا قرارًا مؤقتًا..
وكان من حسن حظ جيل العميد حسام حسن أن يعمل فى ظل إدارة تمتلك هذا الرصيد من الخبرات والعلاقات. فالعميد، بما يحمله من شخصية قوية وطموح لا يعرف التراجع، كان يحتاج إلى منظومة تفتح أمامه الأبواب، وتوفر له الظروف التى تساعده على تحويل الحماس إلى نتائج..
وقد حدث ذلك بالفعل.. فخلال الأشهر التى سبقت السفر إلى كأس العالم، نجح اتحاد الكرة فى توفير برنامج إعداد قوى، كان أبرز محطاته خوض مباريات ودية أمام مدارس كروية عملاقة مثل إسبانيا والبرازيل. ولم تكن هذه المواجهات مجرد تجارب فنية، بل كانت استثمارًا فى شخصية اللاعب المصرى، حتى يدخل البطولة وهو يؤمن بأنه قادر على منافسة الكبار، لا الاكتفاء بمجرد الظهور أمامهم..
وقد بلغت هذه الصورة ذروتها مع الدعم الكبير الذى وفرته الدولة المصرية للمنتخب، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى حرص على تكريم اللاعبين والجهاز الفنى فى احتفالية مميزة بمدينة العلمين، قبل أن تحتضن مدرجات استاد القاهرة احتفالًا جماهيريًا جسد حجم الفخر بما قدمه المنتخب فى المونديال..
وفى الوقت نفسه، تحولت مراكز الشباب فى جميع محافظات الجمهورية، بإشراف ومتابعة الدكتور جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، إلى ساحات وطنية لمتابعة مباريات المنتخب عبر الشاشات العملاقة، حيث بلغ عدد الجماهير التى تابعت المباريات نحو اثنى عشر مليون مشجع، فى مشهد يعكس حجم الالتفاف الشعبى حول المنتخب الوطنى.
واليوم تبدو الكرة المصرية أمام فرصة لا ينبغى التفريط فيها. فوجود قيادة سياسية داعمة، وإدارة تمتلك الخبرة الدولية، وجهاز فنى يقوده حسام حسن بروحه القتالية، وجيل من اللاعبين اكتسب الثقة فى مواجهة كبار العالم، كلها عناصر تؤكد أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة..
ويبقى التحدى الحقيقى هو استمرار البناء، لأن العودة إلى منصة التتويج الإفريقية، الغائبة منذ عام 2010، لن تتحقق إلا بالاستمرار فى الاستثمار داخل منتخبات الناشئين والشباب والأوليمبى، وهى الفلسفة التى آمن بها هانى أبوريدة منذ سنوات، باعتبارها الضمان الحقيقى لاستمرار الإنجاز.