نبض الصحة: الأخلاقُ وحدها لا تُداوى
الجمعة، 17 يوليه 2026 - 10:09 م
أخبار اليوم
كلّما وقعت فاجعة، انصرف الحديثُ إلى التربية والأخلاق، وكأنّ حُسنَ الخُلق وحده يعصم من الخطأ. والحقُّ أنّ الأخلاق شرطٌ لازمٌ لا غنى عنه، لكنها ليست شرطًا كافيًا؛ فالمواقف الحرجة لا تُدار بالنوايا الطيبة، وإنما بالكفاءة المدرَّبة: فطنةٌ، ورشادٌ، وإدراكٌ، وقدرةٌ مصقولة على التصرف تحت الضغط. وهذه مَلَكاتٌ لا تُورَث بالتنشئة، وإنما تُكتسَب بالتأهيل، وتُثبَت بالترخيص.
وفى ميدان الصحة يتجلّى هذا المعنى فى أنصع صوره؛ فالطبُّ مهنةُ رحمة، نعم، غير أنّ الرحمة بلا علمٍ قد تُهلك كما يُهلك الإهمال. إنّ يدًا حانيةً تحمل مشرطًا بلا تدريبٍ أخطرُ من يدٍ أمسكت عنه. ولهذا لم تعرف الإنسانية مهنةً أحاطتها بسياجٍ من الاشتراطات كمهن الصحة: دراسةٌ طويلة، وامتحاناتُ مزاولة، ونطاقاتُ ممارسةٍ محدَّدة، وتعليمٌ مستمر لا ينقطع. وليس ذلك ترفًا إداريًّا، بل هو عقدٌ اجتماعيٌّ صامت، مؤدّاه أنّ مَن يمسّ جسدَ الإنسان عليه أن يُثبت « لا أن يدّعى » أنه أهلٌ لذلك.
ومن هنا تأتى خطورة التواطؤ المجتمعى حين نستسهل: حقنةٌ عند مَن لا يُحسنها، ووصفةٌ من غير مختص، وإجراءٌ تجميلى فى مكانٍ لا تحكمه رقابة، ومنتحلُ صفةٍ نُسلمه أغلى ما نملك لأنّ «سمعته طيبة» و«نيّته حسنة». فالنية الحسنة لم تكن يومًا بديلًا عن الأهلية، والسمعةُ لا تُغنى عن الرخصة.
إنّ القيمة المستفادة أن نكفّ عن اختزال السلامة فى الوعظ، وأن ندرك أنّ حماية الأرواح منظومةٌ متكاملة: خُلقٌ يضبط النية، وكفاءةٌ تضبط الفعل، وقانونٌ يضبطهما معًا فيردع ويحمي. فالترخيص ليس ورقةً تُعلَّق على جدار، بل ضميرُ المجتمع حين يتحول إلى نظام؛ به نحمى المريضَ من الادّعاء، ونحمى الممارسَ المؤهَّل من المزاحمة الظالمة، ونحمى الثقةَ التى هى رأس مال الطب منذ أبقراط.
وفى الختام: النيةُ الطيبة تفتح الباب، لكنّ العلم وحده يعرف الطريق. ومَن أحبّ الناسَ حقًّا، لم يكتفِ بأن يريد لهم الخير، بل تعلّم كيف يصنعه بإتقان.