احتضن عائلة المسيح لأكثر من 6 أشهر| «دير المحرق».. هنا القُدس الثانية

دير المحرق

السبت، 18 يوليه 2026 - 04:26 ص

محمود مالك

تتبدل ملامح الطريق كلما اقتربت من سفوح جبل قسقام بمحافظة أسيوط، حيث يخفت ضجيج المدن ويحل محله سكون يحمل عبق قرون طويلة من التاريخ والإيمان، هناك وسط أرض مصر يقف دير السيدة العذراء المعروف بـدير المحرق أحد أقدس المواقع المسيحية فى العالم وفق المعتقد القبطى الأرثوذكسى، وإحدى أهم محطات رحلة العائلة المقدسة التى لا تزال آثارها حاضرة فى وجدان المصريين. لا يبدو الدير مجرد مبنى أثرى أو مقصد سياحى، بل عالم كامل يختلط فيه التاريخ بالعقيدة، وتتعانق فيه الحجارة القديمة مع الصلوات التى لم تنقطع عبر قرون، ومنذ اللحظة الأولى لدخول أسواره يدرك الزائر أنه أمام مكان يحمل خصوصية استثنائية، حتى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تصفه بأنه القدس الثانية، لما يمثله من مكانة روحية فريدة. رحلة طويلة وفق التقليد الكنسى وصلت العائلة المقدسة إلى هذا المكان بعد رحلة طويلة داخل الأراضى المصرية هرباً من بطش الملك هيرودس، الذى أمر بقتل أطفال بيت لحم عقب ميلاد السيد المسيح، وبعد عبور محطات عديدة استقرت السيدة العذراء والسيد المسيح وهو طفل لا يتجاوز العام من عمره والقديس يوسف النجار فى جبل قسقام، حيث مكثوا ستة أشهر وعشرة أيام، وهى أطول مدة أقامتها العائلة المقدسة فى موقع واحد داخل مصر. ويمثل هذا الاستقرار نقطة فارقة فى مسار الرحلة، إذ تحول المكان لاحقًا إلى أحد أهم مزارات الحج المسيحى، يقصده الزوار من مختلف دول العالم، خاصة من إفريقيا وإثيوبيا، تقديراً لمكانته الروحية فى التراث الكنسى. وترتبط قدسية الدير أيضاً بما جاء فى سفر أشعياء: افى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصرب، وهى النبوءة التى ترى الكنيسة القبطية أنها تحققت فى المذبح الأثرى للدير المحرق، ويعد هذا المذبح القلب النابض للدير، إذ تتواصل عليه الصلوات والقداسات طوال العام، ولا تتوقف إلا خلال أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء من أسبوع البصخة، وفق الطقس الكنسى، وما زالت الصلوات تُقام فيه باللغة القبطية، فى مشهد يحافظ على تقاليد تمتد إلى قرون طويلة. فى قلب الدير تقف الكنيسة الأثرية، التى تُعد من أقدم الكنائس المرتبطة برحلة العائلة المقدسة فى مصر، ووفق المعتقد القبطى الأرثوذكسى، فإن هذا هو المكان الذى أقامت فيه العائلة المقدسة، ويضم المغارة التى احتمت بها، بينما يقوم المذبح على الحجر الذى يُعتقد أن الطفل يسوع جلس عليه أثناء الإقامة، وقد شهدت الكنيسة عمليات ترميم متعاقبة حافظت على طابعها التاريخى، خاصة صحن الكنيسة الذى جرى تجديده فى القرن التاسع عشر، مع الحفاظ على معالمها الأثرية التى تجعلها واحدة من أهم الكنائس التاريخية فى الشرق. ولم تتوقف أهمية المكان عند كونه محطة فى رحلة العائلة المقدسة، بل أصبح فى القرن الرابع الميلادى أحد أهم مراكز الحياة الرهبانية، عندما أسس القديس باخوميوس نظام الرهبنة فى جبل قسقام وهو جبل القوصية حالياً، ليتحول الدير إلى مدرسة روحية خرج منها أجيال من الرهبان، وفى أواخر القرن الخامس الميلادى أمر الإمبراطور زينون ببناء حصون لحماية الأديرة المصرية، وكان الدير المحرق من بينها، وهو ما منح المكان بعدًا دفاعيًا إلى جانب قيمته الدينية. مخطوطات نادرة وراء الجدران الحجرية للدير تختبئ واحدة من أهم المكتبات الكنسية فى مصر، إذ تضم أكثر من 708 مخطوطات نادرة، إضافة إلى آلاف الكتب المطبوعة فى مجالات الكتاب المقدس، واللاهوت، والطقوس الكنسية، والتاريخ، واللغة القبطية، وتعد هذه المكتبة كنزاً علمياً وبحثياً، يقصده الباحثون والدارسون من داخل مصر وخارجها، لما تضمه من وثائق ومراجع تسجل مراحل مهمة من تاريخ الكنيسة المصرية. مدرسة للرهبان اهتم الدير منذ مطلع القرن العشرين بتأهيل الرهبان علميًا وروحياً، فأنشأ الأنبا باخوميوس الأول مدرسة للرهبان عام 1906، لتكون مركزاً لتدريس اللاهوت والكتاب المقدس واللغة القبطية، إلى جانب التربية الروحية، ولم تقتصر المدرسة على الدراسة النظرية، بل هدفت إلى إعداد رهبان قادرين على حمل رسالة الكنيسة، وهو الدور الذى استمر حتى اليوم من خلال المدرسة الحديثة المقامة خارج أسوار الدير. ومن معالم الدير أيضًا قصر الضيافة التاريخى الذى شُيد عام 1910، ويتميز بطرازه المعمارى الفريد، ويتكون من ثلاثة طوابق خُصصت لاستقبال كبار الزوار والوفود الكنسية والرسمية، ولا يزال القصر يحتفظ بصور العديد من الشخصيات الدينية والوطنية التى زارت الدير، ليشكل سجلاً مصوراً لتاريخ ممتد عبر أكثر من قرن. القدس الثانية يقول الأب مكسيموس المحرقى، أحد كبار رهبان الدير، إن المكان يمثل بالنسبة للأقباط أكثر من مجرد دير أثرى، فهو الموقع الذى عاشت فيه العائلة المقدسة أطول فترة داخل مصر، ويضم المذبح الذى ارتبط بنبوءة أشعياء، لذلك يصفه كثير من أبناء الكنيسة بأنه االقدس الثانيةب، لما يحمله من قداسة خاصة فى العقيدة القبطية، ويؤكد أن الدير ظل عبر القرون مقصداً للحجاج والزائرين من إفريقيا ومن أوروبا، وأن رسالته لم تتغير، إذ ما زال يستقبل آلاف الزوار سنوياً من مختلف أنحاء العالم وبخاصة فى عيد العذراء حلت الحديد. ومع إطلاق الدولة مشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة أصبح دير المحرق إحدى أبرز محطات هذا المشروع القومى، بعدما أُدرج ضمن المواقع الرئيسية التى يجرى تطويرها لاستقبال الحجاج والسائحين، فى إطار خطة تستهدف تنشيط السياحة الدينية وإبراز مكانة مصر باعتبارها الأرض التى احتضنت العائلة المقدسة، ويمثل المشروع فرصة لإعادة تقديم الدير للعالم، ليس فقط بوصفه أثراً تاريخياً، بل باعتباره شاهداً حياً على مرحلة فريدة من التاريخ الإنسانى والدينى، ومقصداً يجمع بين الإيمان والتراث والحضارة. ويبقى دير المحرق أحد أهم الشواهد على خصوصية مصر، الدولة التى احتضنت العائلة المقدسة وخلدت رحلتها فى عشرات المواقع الممتدة من سيناء إلى أسيوط، وفى زمن تتسابق فيه الدول لإحياء تراثها الدينى والثقافى، يظل هذا الدير شاهداً على أن أرض مصر لم تكن مجرد محطة فى التاريخ، بل كانت ملاذاً آمناً كتب فيه فصل استثنائى من قصة السيد المسيح، وهو إرث إنسانى وروحى يتجاوز حدود الجغرافيا والأديان، ويستحق أن يبقى حاضراً فى ذاكرة العالم. اقرأ  أيضا: محافظ أسيوط: السفير التشيكي يزور دير المحرق بالقوصية