اكتشاف جديد.. 3 مقابر صخرية تعيد رسم خريطة جبانة سقارة وتكشف الأسرار

اكتشاف جديد في البوباسطيون

الأحد، 19 يوليه 2026 - 04:57 م

شيرين الكردي

تواصل منطقة سقارة ترسيخ مكانتها كواحدة من أغنى المواقع الأثرية في العالم، بعدما نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون في الكشف عن 3 مقابر صخرية جديدة تعود إلى عصر الدولة الحديثة، لتضيف فصلاً جديدًا إلى سجل الاكتشافات المتتابعة بالموقع. ولا تقتصر أهمية الكشف على العثور على مقابر جديدة، بل تمتد إلى ما تحمله نقوشها وألقاب أصحابها من معلومات تاريخية نادرة توثق الحياة الإدارية والعسكرية والاجتماعية في مصر القديمة، فضلًا عن تقديم أدلة جديدة على علاقات مصر الخارجية خلال عصر الدولة الحديثة. - سقارة.. مدينة لا تتوقف عن كشف أسرارها وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف الجديد يعكس الإمكانات الأثرية الهائلة التي لا تزال تحتفظ بها منطقة سقارة، مشيرًا إلى أن الاكتشافات المتلاحقة تؤكد أن الموقع ما زال يخفي بين رماله الكثير من الكنوز التي تسهم في إعادة كتابة صفحات جديدة من تاريخ الحضارة المصرية. وأضاف أن النجاحات المتواصلة للبعثات الأثرية المصرية تعكس كفاءة الكوادر الوطنية، وتؤكد الدور العلمي الكبير الذي تقوم به في دراسة وتوثيق التراث المصري. - ثلاث مقابر تحكي قصص أصحابها وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف تتجاوز العثور على مقابر جديدة، إذ يعيد إحياء سير أصحابها بعد آلاف السنين، ويكشف تفاصيل دقيقة عن المجتمع المصري خلال عصر الدولة الحديثة. وأشار إلى أن النقوش والألقاب المسجلة داخل المقابر تمثل مصدرًا مهمًا لدراسة التنظيم الإداري والعسكري والحياة الاجتماعية في تلك الفترة. - مقبرة "منتوحتب".. مسؤول كبير وقائد عسكري تعود المقبرة الأولى إلى "منتوحتب"، وتضم مناظر فنية متقنة لحاملي القرابين ومشاهد الصيد، بالإضافة إلى منظر كبير لصاحب المقبرة برفقة والدته "إعح حتب". وتكشف الألقاب المسجلة على جدران المقبرة عن مكانته الرفيعة، إذ حمل ألقابًا مثل الأمير الوراثي، والعمدة، والتابع للملك، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على جيش مدينة خبشيت، وهو ما يشير إلى دوره البارز في الإدارة والجيش خلال بدايات عصر الدولة الحديثة. كما تضم المقبرة بئر دفن لا تزال أعمال الحفائر بداخله مستمرة، ما يرجح الكشف عن مزيد من المعلومات خلال المواسم المقبلة. - مقبرة "بارع إم وايا".. سجل عائلي متكامل أما المقبرة الثانية فتعود إلى "بارع إم وايا"، المعروف أيضًا باسم "ساموت"، والذي شغل منصب كبير التجار ببيت بتاح. وتتميز المقبرة باحتفاظها بأسماء أفراد أسرته، ومن بينهم زوجته "توي"، ووالدته "أتبيو" مغنية المعبود آمون، إضافة إلى أسماء أبنائه الأربعة، وهو ما يمنح الباحثين صورة واضحة عن الحياة الأسرية والاجتماعية لإحدى الشخصيات المهمة في الدولة الحديثة. مقبرة "نحسي".. دليل جديد على العلاقات الخارجية ورغم أن المقبرة الثالثة، الخاصة بـ"نحسي"، تعرضت لتلف كبير، فإن النقوش الباقية احتفظت باسم صاحبها ولقبه "المشرف على البيت"، إلى جانب اسم زوجته "نفرو بتاح". ومن أبرز ما عُثر عليه جزء من عمود يحمل نصًا هيروغليفيًا يشير إلى عودة أحد القادة من بلاد نهرن، الواقعة شمال سوريا، وهو نص يقدم دليلًا جديدًا على طبيعة العلاقات السياسية والعسكرية بين مصر والشرق الأدنى خلال عصر الدولة الحديثة. - جبانة البوباسطيون.. سجل متجدد للاكتشافات لا يعد هذا الكشف الأول في جبانة البوباسطيون، فقد تحولت المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم بؤر الاكتشافات الأثرية في سقارة. ففي عام 2022 أعلنت البعثة المصرية عن أول وأكبر خبيئة للتماثيل البرونزية بالموقع، وضمت نحو 150 تمثالًا برونزيًا لمعبودات مصرية قديمة، و250 تابوتًا خشبيًا ملونًا، وبردية كاملة لفصول من كتاب الموتى، في كشف اعتبر من أهم اكتشافات العقد الأخير. وفي عام 2023 شهدت المنطقة اكتشاف أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط، إحداهما للآدميين والأخرى للحيوانات، إلى جانب مقبرتين وعدد كبير من اللقى الأثرية، وهو الكشف الذي قدم معلومات غير مسبوقة عن صناعة التحنيط في مصر القديمة. كما شهدت المنطقة في عام 2025 اكتشاف مصاطب ومقابر ودفنات جديدة أسهمت في توسيع الحدود المعروفة لجبانة سقارة، وأكدت أن الموقع لا يزال يحتفظ بمناطق أثرية لم تُستكشف بعد. - لماذا يحظى الكشف بأهمية خاصة؟ تكمن أهمية الاكتشاف الجديد في أنه يعود إلى عصر الدولة الحديثة، بينما ارتبطت معظم اكتشافات البوباسطيون خلال السنوات الماضية بالعصر المتأخر والعصر البطلمي، وهو ما يوسع الإطار الزمني المعروف لاستخدام الجبانة، ويؤكد أنها شهدت نشاطًا متواصلًا عبر عصور تاريخية متعددة. كما أن النقوش والألقاب المكتشفة تقدم مادة علمية جديدة لفهم طبيعة المناصب الإدارية والعسكرية، والعلاقات الدبلوماسية لمصر القديمة، إلى جانب إلقاء الضوء على الحياة اليومية والعائلية لكبار رجال الدولة. - مواسم حفائر واعدة وأكد المجلس الأعلى للآثار أن أعمال الحفائر ستستمر داخل آبار الدفن والمناطق التي لم تُستكشف بعد في جبانة البوباسطيون، وسط توقعات بالإعلان عن اكتشافات جديدة خلال المواسم المقبلة، بما يعزز مكانة سقارة باعتبارها أحد أهم المواقع الأثرية في العالم، ومتحفًا مفتوحًا لا يزال يخبئ بين طبقاته صفحات جديدة من تاريخ مصر القديمة.