معجزة العمارة الإسلامية.. حكاية قبة السلطان الأشرف "قايتباي"
قبة السلطان الأشرف قايتباي
الإثنين، 20 يوليه 2026 - 04:59 م
شيرين الكردي
كيف صمدت إحدى أجمل قباب العالم الإسلامي لأكثر من خمسة قرون، رغم تقلبات الزمن وما تعرضت له من إهمال وسرقات؟ ومن هو السلطان الذي حوّل صحراء المماليك إلى واحدة من أروع المدن المعمارية في العالم الإسلامي؟ إنها حكاية قبة وضريح السلطان الأشرف قايتباي، التي هتستعيد بريقها اليوم بعد افتتاحها رسميًا عقب سنوات من الإغلاق والترميم، لتروي فصلًا جديدًا من تاريخ القاهرة الإسلامية.
في صباح يوم جديد من أيام القاهرة التاريخية، عادت الحياة إلى أحد أكثر مبانيها سحرًا وجمالًا، فبعد سنوات طويلة ظل خلالها بابها مغلقًا، استقبلت قبة ضريح السلطان الأشرف قايتباي زائريها من جديد، معلنة نهاية رحلة شاقة امتدت سنوات بين الإغلاق والترميم، بعد أن تعرضت لوقائع سرقة أعقبت أحداث عام 2011، قبل أن تنجح وزارة السياحة والآثار في إعادة هذا الأثر الفريد إلى مكانته المستحقة.
ولم يكن افتتاح القبة مجرد إعادة فتح مبنى أثري أمام الجمهور، بل كان استعادة لجزء مهم من ذاكرة القاهرة الإسلامية، وإحياء لتحفة معمارية اعتبرها المؤرخون والمهندسون واحدة من أجمل القباب الحجرية التي شُيدت في العالم الإسلامي.
وراء هذه القبة حكاية طويلة تبدأ قبل أكثر من خمسة قرون، مع سلطان لم يولد أميرًا، ولم يرث الحكم، لكنه استطاع أن يصنع مجده بذكائه، وأن يخلد اسمه بالحجر قبل أن يخلده التاريخ، إنها حكاية السلطان الأشرف قايتباي.
- من هو السلطان الأشرف قايتباي؟
ولد قايتباي في بلاد القوقاز خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر، وكان من أصول شركسية، مثل كثير من المماليك الذين جُلبوا صغارًا إلى مصر، دخل القاهرة مملوكًا، ولم يكن أحد يتوقع أن يصبح يومًا سلطانًا يحكم واحدة من أقوى دول العالم الإسلامي.
اشترى السلطان الأشرف برسباي قايتباي وهو شاب، ثم انتقل بين خدمة عدد من الأمراء والسلاطين، حتى برزت قدراته العسكرية والإدارية، عرف عنه الذكاء، والهدوء، والقدرة على إدارة الأزمات، وهو ما جعله يتدرج في المناصب حتى أصبح من كبار رجال الدولة، وعندما توفي السلطان الظاهر تمربغا عام 1468، اجتمع كبار أمراء المماليك على اختيار قايتباي سلطانًا لمصر، كان عمره نحو خمسين عامًا، ومنذ اللحظة الأولى أدرك أن الدولة تواجه تحديات كبيرة.
- سلطان حكم في زمن صعب
لم يكن العالم في القرن الخامس عشر هادئًا، ففي الشرق كانت الدولة العثمانية تتوسع بسرعة، وفي البحر المتوسط كانت القوى الأوروبية تزداد قوة، أما داخل الدولة المملوكية، فكانت الصراعات بين الأمراء لا تكاد تتوقف، لكن قايتباي استطاع أن يفرض الاستقرار، دام حكمه قرابة 29 عامًا، وهي من أطول فترات الحكم في العصر المملوكي.
وخلال هذه السنوات نجح في الحفاظ على الدولة، وتقوية الجيش، وتحصين السواحل، وتنشيط التجارة، والأهم من ذلك كله، إطلاق واحدة من أكبر حركات البناء في تاريخ مصر الإسلامية.
- السلطان الذي عشق العمارة
إذا كان صلاح الدين الأيوبي قد ارتبط اسمه بالقلعة، فإن اسم قايتباي ارتبط بالعمارة، كان يؤمن بأن البناء ليس رفاهية، بل وسيلة لترك أثر يبقى بعد رحيل الإنسان، ولهذا أمر ببناء عشرات المنشآت داخل مصر.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن آثاره تجاوزت سبعين منشأة، ما بين مساجد ومدارس وأسبلة وخوانق ووكالات وأضرحة وأسوار وقلاع، كما امتدت منشآته إلى القدس ومكة والمدينة المنورة ودمشق وغزة، ولهذا يعتبره كثير من الباحثين أعظم سلاطين المماليك من الناحية العمرانية.
- قلعة قايتباي.. شاهد على عبقريته العسكرية
قبل أن نتحدث عن ضريحه، لا بد أن نتذكر أشهر أعماله العسكرية، فعندما أدرك أن مدينة الإسكندرية أصبحت مهددة بالهجمات البحرية، قرر إنشاء قلعة ضخمة فوق أطلال فنار الإسكندرية القديم، أحد عجائب الدنيا السبع، وهكذا ولدت قلعة قايتباي، التي لا تزال حتى اليوم تحرس شاطئ البحر المتوسط منذ أكثر من خمسة قرون، وكان هذا المشروع دليلًا على أن السلطان لم يكن عاشقًا للفن فقط، بل كان قائدًا عسكريًا يدرك أهمية الدفاع عن حدود الدولة.
- لماذا اختار صحراء المماليك؟
إذا خرجت اليوم من قلب القاهرة واتجهت نحو شرقها، ستجد نفسك في منطقة تبدو مختلفة تمامًا، هناك تمتد عشرات القباب والمآذن والمساجد وسط الصحراء، هذه هي قرافة المماليك، ورغم أنها تعرف اليوم باسم "مدينة الموتى"، فإنها في العصر المملوكي لم تكن مجرد مقابر، بل كانت مدينة متكاملة.
بدأت الفكرة في عصر المماليك البحرية، عندما قرر عدد من الأمراء إنشاء مدافن لهم خارج أسوار القاهرة، ثم تطورت المنطقة تدريجيًا، وفي عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق، أصبحت تضم منشآت دينية وخدمية كبيرة، لكن التحول الحقيقي جاء في عهد السلطان قايتباي، فقد رأى أن المكان يصلح لإنشاء مشروع عمراني متكامل، ولم يبنِ ضريحًا فقط، بل أنشأ مدينة صغيرة.
- كيف تحولت الصحراء إلى متحف مفتوح؟
كان الهدف من المشروع أكبر بكثير من إقامة مقبرة، فقد أراد السلطان أن تصبح المنطقة مركزًا دينيًا وعلميًا واجتماعيًا.
ولهذا ضمت المجموعة:
مسجدًا لإقامة الصلوات.
مدرسة لتعليم العلوم.
سبيلًا لتوفير المياه.
كتابًا لتعليم الأطفال.
حوضًا لسقاية الدواب.
مقعدًا لاستقبال الضيوف.
ربعًا لإقامة السكان.
وضريحًا للأسرة السلطانية.
بهذا التخطيط أصبحت المجموعة نموذجًا متكاملًا للمدينة الإسلامية.
واليوم، وبعد أكثر من خمسة قرون، لا تزال تحتفظ بمعظم عناصرها الأصلية، تحفة معمارية ولدت بين عامي 1472 و1474، بدأ العمل في المجموعة المعمارية عام 1472م، واستغرق تنفيذها نحو عامين، واختير لها أفضل المهندسين والبنائين والنحاتين، وكان السلطان يتابع بنفسه مراحل التنفيذ.
وتذكر المصادر التاريخية أن قايتباي لم يكن يقبل أي تقصير في جودة العمل، وكان يراجع أدق التفاصيل بنفسه، ولهذا جاءت النتيجة استثنائية، حتى إن كثيرًا من مؤرخي العمارة الإسلامية يعتبرون مجموعة قايتباي ذروة الفن المملوكي.
- القبة التي أبهرت علماء العالم
وسط المجموعة ترتفع قبة الضريح، ومن بعيد تبدو كأنها قطعة من الدانتيل المنحوت في الحجر، فهي ليست قبة عادية، بل عمل فني بالغ التعقيد، زُين سطحها الخارجي بزخارف هندسية ونباتية متشابكة، نُحتت في الحجر الجيري بدقة مذهلة، ولا تعتمد الزخارف على الرسم أو التلوين، بل على النحت المباشر داخل الكتلة الحجرية، وهذا ما جعلها تحفة يصعب تكرارها.
وقد وصفها عدد من علماء الآثار بأنها من أجمل القباب الإسلامية في العالم، لأنها تمثل ذروة التطور الفني للعمارة المملوكية، حيث اجتمع فيها الإبداع الهندسي مع البراعة الحرفية في تناغم نادر، لكن هذه التحفة التي صمدت أمام الزمن أكثر من خمسة قرون، كانت على موعد مع واحدة من أصعب الفترات في تاريخها الحديث.