دراسة: السوشيال ميديا غيرت خريطة انتشارها.. و62% صدقوا أخبارا كاذبة
الإثنين، 20 يوليه 2026 - 10:49 م
إيمان طعيمه
أصبحت الشائعات فى عصر السوشيال ميديا أكثر قدرة على الانتشار والتأثير من أى وقت مضى، فلم تعد مجرد أخبار مجهولة المصدر تنتقل فى نطاق محدود، وإنما تحولت إلى ظاهرة اتصالية واجتماعية مُعقدة.
جاءت دراسة «الشائعات فى وسائل التواصل الاجتماعى وآثارها على الأمن المجتمعي» التى أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، لتقدم قراءة علمية شاملة لظاهرة الشائعات فى المجتمع.
ويوضح د. عمرو غنيم، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المعاملة الجنائية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والمشارك فى الدراسة، أن انطلاق دراسة الشائعات جاءت من إشكالية رئيسية تتمثل فى التحول الكبير الذى أحدثته وسائل التواصل الاجتماعى فى بيئة تداول المعلومات، بعدما أصبح إنتاج المحتوى ونشره متاحًا لملايين المستخدمين خارج الأطر التقليدية للإعلام، بما وفر بيئة خصبة لانتشار المعلومات غير الدقيقة والشائعات بسرعة واتساع غير مسبوقين.. وقد اعتمدت على معالجة متعددة المستويات، شملت جانبًا ميدانيًا يتعلق بتصورات الجمهور والخبراء، إلى جانب تحليل مضمون لأطروحات مرتبطة بالشائعات جرى تداولها عبر موقع فيسبوك خلال عامى 2019 و2020.
ففى البيئة الرقمية لم يعد هناك منتج واحد يقابله جمهور متلقٍ، بل أصبحت الشائعة تتحرك عبر شبكة مُعقدة من المستخدمين؛ فقد يبدأ شخص أو جهة بإنتاجها، ثم يتولى مؤيدون نشرها، ويشارك آخرون فى إعادة تداولها من دون التحقق منها، والمفارقة أن الأشخاص الذين يسعون إلى نفى الشائعة قد يسهمون أحيانًا، من دون قصد، فى توسيع نطاق انتشارها عندما يعيدون نشرها كاملة بقصد تصحيحها، فتصل بذلك إلى جمهور لم يكن على علم بها من الأساس.
ومن ثم، تؤكد الدراسة أن مواجهة الشائعة لا يمكن أن تقتصر على إصدار النفي، وإنما تحتاج إلى فهم آليات انتشارها واختيار الطريقة الأنسب لتصحيحها من دون إعادة منحها فرصة جديدة للتداول، مشيرا إلى أن الشائعة ترتبط بدرجة كبيرة بالقضايا التى تلامس اهتمامات الناس المباشرة ومخاوفهم اليومية، خاصة فى أوقات الأزمات.
ومن النتائج المهمة التى توصلت إليها الدراسة أن إدراك الجمهور لوجود الشائعات لا يعنى بالضرورة القدرة على تجنبها أو التحقق منها.
فقد أظهرت إحدى النتائج أن 62.2% من عينة المبحوثين سبق لهم أن صدقوا خبرا أو معلومة ثم اكتشفوا بعد ذلك أنها غير صحيحة، مقابل 37.8% لم يسبق لهم التعرض لموقف مماثل، كما كشفت النتائج أن اكتشاف عدم صحة المعلومة لا يؤدى دائمًا إلى اتخاذ موقف فعلي؛ إذ يفضل كثير من المستخدمين عدم التدخل، بينما تظل ممارسات مثل: الإبلاغ عن المحتوى أو تكذيبه أو حظر مصدره محدودة نسبيًا.
وتلفت الدراسة إلى أن مستخدم وسائل التواصل الاجتماعى ليس مجرد ضحية مُحتملة للشائعة، وإنما قد يتحول إلى عنصر رئيسى فى دورة انتشارها، فكل إعجاب أو تعليق أو مشاركة يمكن أن يسهم فى توسيع دائرة وصول المحتوى، حتى عندما يكون الهدف من التفاعل هو الاعتراض أو السخرية أو النفي.
ويشير د. عمرو إلي أن الدراسة أبرزت الدور المهم الذى تلعبه الصور والفيديوهات والمؤثرات البصرية فى منح الشائعة قدرًا من المصداقية والإقناع، حتى إذا كانت هذه المواد قديمة أو مُجتزأة من سياقها أو أعُيد استخدامها لخدمة مضمون مختلف، كما تعتمد بعض الشائعات على إثارة الخوف والقلق والرهبة، بينما تلجأ أخرى إلى تقديم حجج أو معلومات تمنحها مظهرا منطقيا وعقلانيا. وبالتالى فإن قوة الشائعة لا ترتبط فقط بمضمونها، وإنما أيضا بطريقة تقديمها ومدى قدرتها على ملامسة مخاوف الجمهور ومعتقداته ومشاعره.. ومن ثم، فإن حماية الأمن المجتمعى من مخاطر الشائعات تتطلب انتقالا من منطق «رد الفعل» إلى بناء منظومة وقائية واستباقية ترتكز على إتاحة المعلومات الدقيقة فى الوقت المناسب، وتعزيز الثقة والشفافية، ورفع الوعى والمهارات النقدية، وتطوير القدرات القانونية والتكنولوجية، وتنسيق الجهود بين مختلف مؤسسات المجتمع.
والرسالة الأبرز التى تحملها الدراسة هى أن الأمن المجتمعى فى عصر الاتصال الرقمى أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بأمن المجال المعلوماتي؛ فكلما امتلك المجتمع مؤسسات أكثر شفافية، ومواطنين أكثر وعيًا وقدرة على التحقق والتفكير النقدي، تقلصت المساحة التى تستطيع الشائعة أن تتحرك فيها وتتحول من مجرد معلومة زائفة إلى تهديد لاستقرار المجتمع وأمنه.