عمره «102 عام».. وعلّم كتاب الله للآلاف من أبناء مدينته والقرى المجاورة
فضيلة الشيخ مع الراديو «صديق العمر»
الإثنين، 20 يوليه 2026 - 10:53 م
محمد الشامي
داخل منزله المتواضع بحى «ميت خاقان» بمدينة شبين الكوم يستقبل زواره بابتسامة هادئة بينما لا يفارق المصحف يديه ويظل صوته حاضرًا فى تلاوة القرآن كما عرفه الجميع منذ عشرات السنين. هنا لا تشعر أنك أمام رجل تجاوز المائة عام، بل أمام تاريخ كامل يرويه صاحبه بكل هدوء وإيمان.
ولد الشيخ سليمان داود (١٠٢ عام) فى سنوات حكم الملك أحمد فؤاد الأول ثم عاش فترة الملك فاروق وشهد نهاية العهد الملكى وبداية الجمهورية على يد الرئيس محمد نجيب والضباط الأحرار. وبين هاتين المرحلتين، حفظ القرآن الكريم صغيرًا، ليبدأ رحلة طويلة مع تعليم كتاب الله، مؤمنًا بأن القرآن هو أعظم ما يمكن أن يورثه الإنسان للأجيال.
لم يقرأ الشيخ تاريخ مصر فى الكتب، بل عاشه بنفسه، فقد عاصر رؤساء مصر من محمد نجيب إلى عبدالفتاح السيسى، وشهد التحولات الكبرى التى مرت بها البلاد محتفظًا فى ذاكرته بصور وأحداث لا تزال حاضرة رغم مرور العقود.. كما عاصر محطات تاريخية فارقة من بينها: ثورات يوليو 1952 و25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وحروب فلسطين والعدوان الثلاثى، والنكسة وأكتوبر المجيد، وهى أحداث شكلت ملامح مصر الحديثة.. هذا إلى جانب عشرات الأحداث العالمية المؤثرة وعلى رأسها: الحربان العالميتان وحروب الخليج والبوسنة وغيرها.
لم تكن حياة الشيخ مرتبطة بمنصب أو وظيفة بل ارتبطت برسالة سامية وهى التفانى فى تعليم القرآن الكريم. فعلى مدار عقود طويلة فتح «كتّاب القرية» لاستقبال الأطفال والشباب يعلمهم الحفظ والتجويد ويغرس فى نفوسهم قيم الدين والأخلاق.. وبعد خروجه للمعاش استمر على نفس النهج بشكل شخصى.
يقول الشيخ سليمان فى حديثه ل«الأخبار» إنه ما زال يحرص على تذكير الشباب بقيمة العلم، وأهمية التمسك بالأخلاق، واحترام الكبير، والمحافظة على القرآن الكريم تلاوة وعملًا، مشيرًا إلى أنه وبعد 102 عام، ما زال يؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، وإنما بما قدمه من خير، لافتًا إلى أنه بين آلاف الصفحات التى حفظها، ومئات التلاميذ الذين تعلموا على يديه، يبقى أعظم إنجاز فى حياته أنه جعل القرآن الكريم رفيقًا لعمره ورسالة لا تزال تؤتى ثمارها.
وأضاف الشيخ سليمان: أن تطور الحياة انعكس على المجتمع على عكس أيام زمان كان الهدوء والتركيز سلاح الشباب فى مقتبل حياتهم أما الآن فقد تبدل الحال وتسارعت وتيرة الحياة بصورة كبيرة.
ويؤكد فرج الكرداسى من أهالى المنطقة أن مئات وربما آلافا من أبناء القرى ختموا القرآن الكريم على يديه وأن كثيرًا منهم أصبحوا أئمة وخطباء ومحفظين للقرآن يحملون الرسالة نفسها التى تعلموها من شيخهم.. وظل منزل الشيخ مقصدًا للراغبين فى التعلم كما يقصده الناس لطلب الدعاء والرقية الشرعية بالقرآن الكريم. ويؤكد دائمًا أن الشفاء من عند الله وحده .. وأن القرآن الكريم رحمة وطمأنينة مع ضرورة الأخذ بالأسباب والعلاج الطبى.
ورغم انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعى ما زال الشيخ يحتفظ بعلاقة خاصة مع جهاز الراديو الذى رافقه عشرات السنين، يستمع من خلاله إلى إذاعة القرآن الكريم والأخبار وبرامج العلماء ويقول إن الراديو كان وما زال صديق العمر.
هذا ولم تخلُ حياة الشيخ من الابتلاءات، حيث فقد جميع أبنائه الذين سبقوه إلى رحمة الله ويرقدون فى مقبرة الأسرة، بينما بقى هو يواجه هذا الابتلاء بالصبر والرضا والإيمان لكن الله أكرمه بأحفاد وأحفاد أحفاد كثيرين حتى أصبح قد عاصر جيلين كاملين منهم ويحرص على أن يورثهم حب القرآن والأخلاق تمامًا كما ورثهما عن شيوخه.
ورغم تجاوزه المائة عام، لا يزال الشيخ يتمتع بذاكرة قوية، يستعيد بها أحداث الماضى وكأنها وقعت بالأمس، ويروى للأحفاد تفاصيل الحياة فى زمن الملوك، وأيام البساطة، وكيف كانت حلقات تحفيظ القرآن تُقام فى الكتاتيب والمساجد.
هكذا يعيش الشيخ سليمان داود رجل من زمن الكتاتيب وذاكرة لوطن وقصة وفاء لكتاب الله ستظل حاضرة فى وجدان كل من عرفه وكل من نهل من علمه.