فوضى «السوشيـال ميـديا» تهدد الأمن الصحى

عميدة المعهد القومى للتغدية خلال حوارها مع «الأخبار»

الإثنين، 20 يوليه 2026 - 11:13 م

الأخبار

فى وقت تتزاحم فيه النصائح الغذائية المتناقضة على منصات التواصل الاجتماعى، وتتسع معه ظاهرة الحميات العشوائية والقرارات الغذائية غير المدروسة، يخرج المعهد القومى للتغذية ليعيد ضبط البوصلة من جديد. فالغذاء، وفق الرؤية العلمية التى يطرحها خبراء المعهد، ليس وصفة موحدة تنسخ على الجميع، بل منظومة دقيقة تتغير بحسب العمر والنوع والحالة الصحية والبيئة والقدرة المادية ونمط الحياة. وفى هذا الحوار الخاص مع «الأخبار»، تكشف د.  علا شوقى، عميدة المعهد القومى للتغذية، عن أخطر ما تواجهه الصحة العامة اليوم، من فوضى «السوشيال ميديا» إلى تراجع الثقة فى التوجيه الطبي، مرورًا بارتفاع معدلات السمنة والأنيميا، وتزايد الأمراض المرتبطة بسوء التغذية منذ الطفولة وحتى سن الشباب. كما تتوقف عند دور المعهد فى وضع السياسات الوطنية للتغذية، والتصدى للأنظمة الغذائية المضللة، وصياغة مفهوم أكثر توازنًا للصحة يبدأ من المطبخ ولا ينتهى عند التشريع. لا يوجد نظام غذائى واحد يصلح للجميع الأنظمة الغذائية العشوائية باتت ظاهرة واسعة الانتشار .. كيف يصفها المعهد علمياً؟ تختلف الأنظمة الغذائية من شخص لآخر بناءً على السن، والجنس (ذكراً كان أم أنثى)، والنشاط الاجتماعى والرياضى، وكذلك الحالة الاجتماعية والمادية. إن الحالة الاجتماعية ومدى توافر الأطعمة فى منطقة معينة يلعبان دوراً حيوياً؛ فمثلاً سكان محافظات الوجه القبلى يختلفون عن سكان الوجه البحرى، والمحافظات الساحلية تختلف عن الأرياف أو الصعيد. يضاف إلى ذلك الحالة الاقتصادية والقدرة المالية، ولذا لا يصح القول إطلاقاً بأن هناك نظاماً غذائياً موحداً يمكن تطبيقه على المصريين كافة». هل وصلنا الى مرحلة الأزمة؟ تكمن مشكلتنا الحقيقية والجسيمة اليوم فى وسائل التواصل الاجتماعى (السوشيال ميديا)، حيث بات كل شخص يتحدث فى علم التغذية العميقة دون دارسية أو مستند علمى حقيقى. الأزمة الكبرى الأخرى هى اهتزاز ثقة المواطنين فى توجيهات الأطباء. السمنة.. هل هذه هى الأمراض الأكثر انتشاراً؟ تشير تقارير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021 إلى أن معدلات السمنة والوزن الزائد لدى البالغين فى مصر تجاوزت الـ 80% (لتصل إلى حوالى 86%) من كتلة السكان المشمولين بالإحصاء.» «وهل يختلف معدل الإصابة بهذه الأمراض بحسب الطبقة الاجتماعية أو مستويات دخل وميزانية الأسر؟» على العكس تماماً، لقد تبين لنا من الدراسات والواقع العملى أن سمنة الأطفال تزداد بشكل ملحوظ فى الفئات ذات المستوى الاجتماعى والاقتصادى المرتفع، فهى تنجم أساساً عن تناول الأغذية غير الصحية (سوء التغذية) بجانب العوامل الوراثية والهرمونية.  هل هذا يعجل بالحدود الزمنية للأمراض لتبدأ فى سن الثلاثين مثلاً بدلاً من الخمسين أو الأربعين؟ بكل تأكيد، هذا يعجل بظهور هذه الأمراض مقتبل العمر ويحرم الشاب من حيويته ونضارته ومقومات شبابه. فى حين لو حافظ الفرد المحاط جينياً وعائلياً بتاريخ وراثى للمرض على خطوط تغذيته السليمة النظيفة ووزنه ونشاطه فى الطفولة والمراهقة، فإنه يؤخر استيقاظ الجينات الممرضة لعشر سنوات إضافية على الأقل وينعم بحياة صحية وقورة ومثمرة. تخطيط هل لمعهد التغذية دور مباشر وتشاركى فى تخطيط خارطة وسياسة التغذية العامة ووضع عولمتها ومعاييرها فى مصر؟ نعم بكل تأكيد؛ فلقد قمنا بفضل الله وكوادرنا بصياغة وإطلاق «الاستراتيجية الوطنية للغذاء والتغذية» عام 2023. ومن ثم قمنا ببلورة وبناء 'الخطة التنفيذية متعددة القطاعات لتطبيق بنودها. بموجب دوركم هل ترون حاجة ماسة لمطالبة أو سن تشريعات وقوانين ضابطة لحماية التغذية وصحة المواطنين والرقابة؟ أى منتج يباع بالأسواق المحلية يخضع مسبقاً لموافقات وتدقيق الهيئة القومية لسلامة الغذاء والهيئة العامة للمواصفات والجودة لضمان أمانه وصلاحيته وصحيته وجودته..ولكن التطلع والطلب التشريعى الذى نسعى ونأمل صياغته وإقراره بكل قوة هو إلزامية طباعة بطاقة الحقائق التغذوية التفصيلية المدققة بالمعامل المعتمدة لمعهد التغذية'. يجب صياغة قانون يمنع بيع أو تداول أى منتج غذائى مصنع بالأسواق ما لم يحمل بطاقة تفصيلية مدققة بالخلف توضح بدقة نسب السعرات، السكريات المضافة، البروتينات، الصوديوم، والفيتامينات، شريطة فحصها وتحليلها ومطابقتها بمعامل المعهد القومى للتغذية. السياسات الضريبية وماذا عن السياسات الضريبية والرسوم تجاه المنتجات الضارة كالمشروبات السكرية والغازية؟ هذا الطرح حقيقى وصحى للغاية؛ فلقد شاركنا بصياغة ودراسة مشروع قانون ضريبة السكر بالتعاون مع وزارة الصحة لعرضه وتمريره بمجلس النواب. ويهدف التشريع لفرض رسوم وضرائب تصاعدية ترفع أسعار المشروبات المحلاة لردع الاستهلاك العشوائى وسلوك المستهلك المفرط. وما أبرز السلع والمأكولات التى ناقشتم تقييدها أو فرض ضرائب تصاعدية عليها بموجب هذا التشريع؟ عصائر الفواكه المحلاة والغازيات واللحوم المعالجة المعلبة والمصنعة المضاف إليها سكريات أو صوديوم عالٍ.  بالانتقال لتفشى ظاهرة مروجى الأنظمة الغذائية العشوائية والحِميات الوهمية بصفحات السوشيال ميديا، كيف ترون الحد من تلك الظاهرة وحصارها؟» أزمة فضاء السوشيال ميديا المفتوح تكمن فى استحالة السيطرة الشاملة على أبوابه ونوافذه، وبدورنا نكثف حملات الوعى السليمة لتوجيه الجماهير نحو مبادئ التغذية الصحية 'المتزنة' التى لا تقوم مطلقاً على محو أو إقصاء فئة أو مجموعة غذائية كاملة. نعمل بكل جهد لنشر ثقافة «الطبق المتزن» وهو النموذج الغذائى المثالى للفطور والغداء والعشاء الموصى به بروتوكولياً لحاجة خلايا الإنسان؛ ويعتمد هذا النموذج على تقسيم الوجبة بشكل مرئى فى طبق دائرى إلى أربعة أقسام متساوية: ■ ربع نشويات ونشويات معقدة عبارة عن نصف أو ربع رغيف خبز بلدى بالردة الكاملة، أرز مسلوق، بطاطس مشوية أو معكرونة بجرعات مقننة. ■ ربع بروتين متميز: (حيوانى كالدواجن والأسماك والبيض واللحوم الحمراء المقننة، أو نباتى كالبقوليات من فول وعدس وحمص وبصارة). ■ نصف الطبق المشترك: يخصص بالكامل للخضار الطازجة، الخيار، الطماطم، الخضار الورقى، والخضراوات المطهية أو الشوربات الصحية الغنية بالألياف والمعادن والفيتامينات لراحة الهضم ومكافحة الالتهاب والتخمر بالإضافة إلى الفواكه ■ بجانب الطبق التأسيسي: كوب من الماء العذب النقى، وكوب من اللبن أو الزبادى الطبيعى الموثوق. وأى نظام غذائى يخل بهذا التوازن الأساسى أو يطلب منك شطب عنصر غذائى كالخضراوات أو النشويات أو استئصال الفواكه هو نظام غير متزن ومعتل ولا صلة له بالصحة. حمية الكيتو وما رأيكم العلمى التأسيسى حول حمية الكيتو دايت والصيام المتقطع الشائعة اليوم؟ الصيام المتقطع يمتلك دعائم ودراسات طبية قوية للغاية ومثمرة، شريطة تطبيقه بذكاء من خلال جعل ساعات الصيام أثناء الليل متناغمة مع النوم الطبيعى وإفراز الهرمونات، لراحة القناة الهضمية وتحفيز كبد الإنسان لحرق الدهون المخزنة. لماذا ينحصر وجود ومقر المعهد بمرجعيته الوحيدة فى مقره بالقاهرة، دون التوسع والتأسيس لفروع تابعة بالأقاليم ومحافظات الصعيد؟ المعاهد الطبية التخصصية تتبع الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، وبطبيعة الحال فالمعاهد مرجعية استشارية بحوث وتدريب وتخطيط تتركز بمقرات عملاقة لضمان دقة المعدات والتحكم والمراقبة والجودة للتشخيص والمعامل الكبرى. بالرغم من خروج قوافلنا وفرقنا الطبية بالصعيد لتدريب الممرضات والأطباء بالوحدات على قياس الأوزان والتقويم وحملات فحص الأنيميا بالمدارس، ولدينا بعثات مستمرة تعمل بقرى فى الصعيد لمساعدة الأسر. لكن ما رأيكم العلمى الدقيق والفاصل حول بعض الأنظمة التى انتشرت مؤخرا دون سند علمى وتسببت فى مشكلات صحية للكثير؟ حقيقة لا أود التحدث عن الأسماء أو الحميات المشتهرة بأشخاصها، بل أقول القواعد العلمية الصارمة للتغذية الحيوية للتحذير من الفساد العلمى لأى نظام يروج لإقصاء، حظر، أو محو صنف ومجموعة غذائية بأكملها فهذا لا يعد صحيا، فمنع الخضراوات الطازجة والورقية وتحديد صنف خضار وحيد، أو حظر استهلاك الفواكه الغنية بالأنزيمات والألياف، أو الكارثة والفساد الأكبر وهو إلغاء وحظر مصادر البروتين عالى الجودة وسريع الامتصاص كـ 'البيض وهو بروتين عالى الجودة، الدواجن والأسماك' بدعوى سميّتها هو هراء وسقوط وفبركة لا أساس لها بالطب ولكن ما سر الأقاويل والشهادات المتداولة على السوشيال ميديا لمرضى يستشهدون بتحسن صحتهم والقولون لديهم فور انخراطهم فى هذا النظام؟ كأطباء وباحثين بالمنظومة العلمية، لا نبنى قرارات ومعايير فسيولوجية ودوائية بناء على شهادات ومقاطع عاطفية فى السوشيال ميديا التى يمكن فبركتها أو تأثرها النفسى اللحظى. لم أستقبل حالة تمت دراستها إكلينيكياً وإجراء تحاليل لها بعد فترة لتثبت هذا الطرح، بل الواقع عكس ذلك تماماً. أما عن أسباب تحسن بعض مرضى القولون عند قطع البقول والخبز، فهذا يرجع فى حقيقته لاكتشافهم الخاص بمرضهم الحصرى من حساسية الجلوتين الطفيفة أو متلازمة عدم تحمل اللاكتوز أو القولون العصبى الذى يتأثر ببعض الغازات ومثيراتها؛ وهذا نطبقه علمياً بمصطلح 'حمية الإقصاء والتجربة لاستئصال مسبب تهيج الأمعاء مؤقتاً تمهيداً لإعادته تدريجياً، ولا يستلزم العيش بحرمان مطلق وصارم يورث المضاعفات. وهل رصدتم شكاوى من اتباع هذا النظام المنتشر؟ بدأت شكاوى وخفايا هذا النظام تطفو بقوة على السطح بالمستشفيات؛ فإلغاء أكل الألياف والخضراوات والفاكهة تسبب بإصابة هؤلاء المرضى بـ 'حالات إمساك مزمنة حادة' غاية فى الألم والانسداد، ناهيك عن التراجع الحاد لعلامات ومؤشرات الهيموجلوبين فى دمائهم نتيجة إلغاء البروتينات الصالحة والبيض والحديد والزنك، وستجنى أجساد هؤلاء عواقب هذا الحرمان الجائرمن بعض الأطعمة أو إيقاف الأدوية بعد أشهر قليلة. فجوة أين تقع الفجوة أو الفاصل بين الحرية الفردية للمواطنين فى اتباع ما تروق لهم من حميات ومعتقدات تغذية، وبين واجب وقانونية حماية الدولة للمقومات الصحية؟ تحرص الدولة وتدعم حريات ومسارات الاختيار السلمية للأفراد من خلال توفير منصات التوعية بينما يتجاوز الصمت حدوده القانونية والطبية فور إضرار الفرد بمقومات حياته والتأثير السلبى على بنيته الجسدية من خلال 'إيقاف وتعطيل الأدوية المنقذة للحياة لجملة من الأمراض منها المزمنة كحث مريض سكرى من النوع الأول على التوقف عن أخذ وحدات الأنسولين والاكتفاء بنظم التغذية المزعومة، هذا يشكل تهديداً وإضراراً صارخاً بالذات والصحة العامة وتكليفاً غير مبرر واعتقد أن طوارئ المستشفيات بدأت تستقبل حالات الغيبوبة الخاصة بالسكرى والجلطات الناتجة عن تدهور الحالات وإيقاف علاجهما المعتمد جراء الخدع الإلكترونية المتداولة. وماذا عن منع السكريات الطبيعية المتمثلة بالفواكه، واستبدالها بالحلويات والشيكولاته باهظة الأثمان والدهون؟ هذا سلوك غير مبرر؛ فى منظمة الصحة العالمية توصى بحد أقصى لتناول السكر المصنع بمعدل يتراوح بين ثلاث إلى ست ملاعق شاى صغيرة يومياً كمستويات آمنة، بينما تروج تلك الحميات الخاطئة لإنفاق واستهلاك شيكولاتة دهن وحلويات غارقة فى السكر والدهون المهدرجة. فمثلا لتستطيع جعل الشيكولاتة لينة للتصنيع يحتم كيميائياً خلط وتدعيم تركبيها بنسب عملاقة من 'الزيوت والدهون النباتية المهدرجة والمحوّلة، وتعد هذه الزيوت المهدرجة هى المسبب الأول والمدمر الفعلى للشرايين والقلب. والمعهد يسير مع الدولة لتكون مصر دولة آمنة وخالية من الزيوت والدهون المهدرجة بحلول عام 2030. إذا استمرت موجات الفوضى هذه والتساهل الإلكترونى مع مروجى التغذية الكاذبة بمصر، فما هو المصير النهائى الذى ينتظرنا؟ الأمل معقود بوعى وذكاء الشعب المصرى فى تبيان وفضح هذه المنصات والرجوع إلى أبحاث ومعامل وعيادات معاهد التغذية والوزارات للتعريف والتعليم بالأصول الصحيحة، وسندعم بكافة الطاقات سبل الوعى والمكافحة لتبيين فساد وأخطار تلك الحميات لحماية بنية مجتمعنا.