د إبراهيم مجدي حسين يكتب : الأمن النفسي القومي في عصر الذكاء الاصطناعي
الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 01:12 ص
بوابة أخبار اليوم
لم تعد الحروب تقتصر على السلاح أو الحدود، بل أصبحت تمتد إلى عقول البشر ومشاعرهم. ومع التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهر نوع جديد من التهديدات يعتمد على التأثير في الرأي العام وتوجيه السلوك ونشر المعلومات المضللة، وهو ما يجعل الأمن النفسي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.
في الماضي كانت الشائعة تحتاج أيامًا حتى تنتقل من مجلس إلى آخر. أما اليوم فصورة واحدة "مفبركة بالذكاء الاصطناعي" أو مقطع فيديو مدته 10 ثوانٍ، كفيل بأن يصل إلى ملايين المواطنين في دقائق، ويُحدث حالة من الخوف أو الغضب أو الانقسام، قبل أن تتاح فرصة التحقق من صحته.
وتشير دراسة MIT Sloan عام 2018 إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر على المنصات الرقمية أسرع 6 مرات من الأخبار الحقيقية، لأنها تستهدف العاطفة قبل العقل.
أسلحة الجيل الجديد
المعركة لم تعد على الجبهات، بل على "الوعي". ويمكن تلخيص أبرز أدواتها في 3 محاور:
أولاً: الإحباط الممنهج
صفحات وحسابات وظيفتها بث "مفيش فايدة" و"البلد خربانة". الهدف ليس النقد، بل قتل الأمل. وهذا ما وصفه تقرير مؤسسة RAND عام 2020 بـ "مدفع الرشاش الكاذب" Firehose of Falsehood، أي إغراق الجمهور بكم هائل من التناقضات حتى يفقد الثقة في أي مصدر.
ثانياً: التزييف العميق Deepfake
فيديو مفبرك لشخصية عامة يقول ما لم يقله. وبحسب تقرير شركة Deeptrace لعام 2019، فإن 96% من فيديوهات الديب فيك استخدمت لأغراض سياسية أو للتشهير. الخطر هنا أن العين تصدق ما تراه.
ثالثاً: الاستهداف النفسي الدقيق
أصبحت الخوارزميات قادرة على تحديد من هو الغاضب، ومن هو المحبط، ومن يمر بأزمة اقتصادية، ثم إرسال المحتوى الذي يضربه في نقطة ضعفه. وهو ما حذر منه البروفيسور شوشانا زوبوف في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة" 2019، حين أكدت أن بياناتنا النفسية تحولت إلى سلعة للتلاعب.
من العيادة إلى الاستراتيجية: كيف نحمي أمننا النفسي؟
إذا تعاملنا مع الصحة النفسية باعتبارها "خدمة طبية" فقط، فسنخسر المعركة. المطلوب الانتقال إلى مفهوم "المناعة المجتمعية" وفق توصيات منظمة الصحة العالمية 2022 حول المرونة النفسية، وذلك عبر 3 مسارات:
1. التحصين التعليمي والإعلامي: إدخال "محو الأمية الرقمية" في المناهج. وتجربة فنلندا بين 2016 و2020 أثبتت أن تدريب الطلاب على كشف الأخبار المفبركة قلل تصديق الشائعات بنسبة 40%.
2. الردع الرقمي السريع: كما أن للدولة دفاعًا جويًا، فلابد أن يكون لها "دفاع معرفي". فرق رصد تستطيع كشف الحملات الممولة والرد عليها قبل انتشارها، على غرار خطة الاتحاد الأوروبي لمواجهة التضليل 2018.
3. الخطاب البديل: الفراغ الذي يتركه الإحباط لابد أن يملأه مشروع وأمل حقي. فالمجتمعات المتماسكة، كما يوضح عالم النفس جوناثان هايدت في كتابه "العقل الصائب" 2012، هي الأقل عرضة للتفكك بالمعلومات.
أقوى جيش في العالم لن يستطيع حماية وطنٍ شَعبه فاقد للثقة ومكسور نفسياً. ولا يمكن لأي خوارزمية أن توقع دولةً يملك مواطنوها وعيًا ومناعة.
المعركة القادمة ليست على الحدود. المعركة على "العقل".
والسؤال الذي يجب أن نجيب عليه الآن: هل سننتظر حتى نُستهدف، أم نبدأ اليوم في بناء حصننا النفسي؟