صرخة استغاثة وطعنة غادرة.. كـتبت النهاية لشاب أنقذ فتاة من متحرش
السبت، 25 يوليه 2026 - 03:06 ص
آمال فؤاد
اهتزت أزقة منطقة منشأة ناصر على وقع مأساة إنسانية مؤلمة، دفع فيها الشاب «محمد سيد أمين» الشهير بـ «بوجي» حياته غاليًا ثمنًا لنخوته، ليجسد بأخلاقه مواجهة صارخة بين شهامة «ابن البلد» وبطش الغدر الفردي، «بوجي»، ذلك الشاب الثلاثيني البسيط الذي قضى عمره كادحًا في جمع الخردة ليعيل والدته وخمس شقيقات، لم يتردد للحظة واحدة في تلبية صرخات فتاة استغاثت به هربًا من متحرش مسجل خطر يُدعى «بلوظة»، وبكلمات عتابية حاول الشاب إيقاظ ضمير الجاني، لكن كلمات العتاب قوبلت بوحشية مفرطة تمثلت في طعنة غادرة في رقبته بزجاجة مكسورة أنهت حياته في الحال وسط الشارع.
تحول هذا الابن الوحيد والسند الحقيقي لأسرته من السعي خلف الرزق الحلال إلى بطلٍ وشهم وضحية، تاركًا خلفه دمعة لا تجف وذهولاً بين جيرانه. وتفتح هذه الفاجعة النكراء ملفًا نفسيًّا واجتماعيًّا شديد الحساسية حول اللحظة التي يسبق فيها عنف الجاني رادع الضمير، والتحول السلوكي الفردي الذي يدفع مجرمًا لارتكاب القتل لمجرد مواجهته بشهامة ترفض الانتهاك.
كان "محمد سيد أمين" البالغ من العمر 35 سنه والشهير "ببوجي " شابًا بسيطًا يعمل في مجال "الخرده" لم يتزوج بسبب ظروفه المادية الصعبة، ولم يعرف من الدنيا سوى السعي خلف لقمة العيش الحلال وتحمل مسئولية أسرته، عاش وسط أسرة متواضعة يتقاسم معها أعباء الحياة وكان السند الحقيقي لوالدته وشقيقاته الخمس، كان الابن الوحيد بينهن، فتولى مسئولية الانفاق عليهن منذ صغره، مقدما احتياجات أسرته علي طموحاته واحلامه الشخصية، يقيم في منطقة منشأة ناصر بجانب "مسجد الدعوي" وعرف بين جيرانه وأصدقائه بحسن الخلق وحبه لمساعدة الآخرين، فلم يكون يوما طرفا في نزاع ولا يُعرف عنه بين كل من يعرفه سوى الطيبة والاستقامة، لم يدرك أن القدر يخبئ له نهاية لم يتوقعها؛ ففي لحظات وجد محمد نفسه أمام فتاه تستغيث به هاربة من متحرش حاول الاعتداء عليها، فلم يتردد في التدخل للدفاع عنها مدفوعا بما عرف به من شهامة ونخوة محاولا منع المتحرش والتصدي له إلا أن الجاني قابل هذا الموقف الإنساني بمنتهى العنف، التقط زجاجة مكسورة من على الأرض وسدد بها طعنات غدر في رقبته فسقط الشاب غارقا في دمائه ليلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما دفع حياته ثمنًا لشهامته.
البداية
في صباح يوم الحادثة وتحديدا عندما كانت عقارب الساعة تقترب من العاشرة صباحا غادر "محمد المجني عليه" منزله متجهًا الى عمله كعادته، سار بخطوات هادئة يشغل ذهنه وخاطره ما ينتظره من يوم عمل جديد ترافقه مسئولياته تجاه والدته وشقيقاته اللاتي يحمل هم إعالتهن على عاتقه، لم يعلم أن الدقائق القادمة ستطوي آخر سطور حياته، وبينما كان يسير في الطريق شارد الذهن فيما ينتظره من اعمال دوى الى مسامعه صوت استعاثة قطعت شروده وسكون المكان الذي يمر به؛ وجد فتاة تستعجل خطواتها في حالة من الفزع تنظر خلفها لشخص ما يأتي خلفها وهي تصرخ طالبة النجدة والاستغاثة منه بعدما لاحقها هذا الشباب محاولا التحرش بها والامساك بيدها، لم يتراجع المجني عليه ويفكر في العواقب الوخيمة التي من الممكن أن تحدث له لو تدخل، بل استوقفته صرخات وخوف الفتاة وطلب الاستغاثة منه، فأيقظت بداخله ما تربى عليه من شهامة ونخوة، ففي الحال تقدم محمد بخطوات ثابتة وتصدى لهذا الشاب طالبا إياه بالكف عما يفعله ويرتكبه في حق الفتاة المسكينة، يسأله في عتاب ممزوج بالغضب: "ماعندكش أخوات بنات تخاف عليهم"؟!، محاولا انهاء الموقف بالكلمة رافضًا أن يقف متفرجا على فتاة تستغيث امام عينيه لكن الجاني لم يتقبل هذا التدخل وتعامل مع كلمات النصح من المجني عليه وكأنها تحديا منه له أو استخفاف بكلامه حسب راوية والدته وفي لحظة التقط المتهم زجاجة مكسورة كانت ملقاة على الأرض، ثم اندفع المتهم نحو المجني عله مسددًا إليه طعنة قاتلة استقرت في رقبة محمد فسقط ارضًا غارقا في دمائه وسط الشارع لتتحول لحظات عتاب كانت من الممكن أن تنتهي على خير إلى نهاية دامية دفع فيها محمد حياته ثمنًا لشهامته.
بلاغ وتحقيق
على الفور ابلغ الأهالي قسم شرطة منشأة ناصر بسقوط شاب قتيلا على يد آخر بالمنطقة بعدما شاهدوا الشاب يسقط غارقا في دمائه اثر الاعتداء عليه من قبل الجاني، انتقل رجال المباحث بسرعة ترافقهم سيارة إسعاف الى مكان الحادث، وتبين صحة البلاغ وكشفت المعاينة عن وجود شاب في العقد الثالث من العمر ملقى على الأرض قتيلا يرتدي كامل ملابسه ومصابا بجرح قطعي بالرقبة مما أدى الى قطع الشريان ووفاته في الحال متأثرًا بإصابته، نقلت الجثة الى المشرحة، كما بدأ فريق البحث الجنائي في جمع التحريات وسماع أقوال شهود عيان الواقعة وتفريغ الكاميرات المحيطة بمكان الحادث ووضع الاكمنة المحكمة وفي غضون ساعات قليلة ألقى رجال المباحث القبض على المتهم وتحفظ على أداة الجريمة وتحرر محضر بالواقعة وأحيل المتهم الى النيابة للتحقيق.
كشفت التحقيقات عن قيام المتهم يدعى أ .م وشهرته "بلوظة" مسجل خطر بمعاكسة فتاة فتدخل المجني عليه لمنعه بعد أن استغاثت به الفتاة فحدثت بينهما مشادة كلامية تطورت الى تعدى المتهم على الضحية وإحداث إصابات أودت بحياته بواسطة زجاجة مكسورة وبمواجهته بالاتهامات المنسوبة اليه حاول الانكار وبعد تضييق الخناق عليه ومواجهته بأقوال الشهود الذين أكدوا وأجمعوا على أن المجني عليه قتل اثناء دفاعه عن فتاة لا يعرفها حاول الجاني معاكستها والتحرش بها، أمرت النيابة بتشريح جثة المجني عليه لمعرفة سبب الوفاة والتصريح بدفنها واستدعاء الفتاة وسؤالها والتحفظ على الكاميرات المحيطة، كما أمرت بحبس المتهم ووجهت له تهمة القتل العمد.
داخل منزل الأسرة
قالت والدة المجني عليه السيدة رقية وهي تبكي بحرقة وفي حالة حزن شديد: "ابني كان هو كل حياتي سندي وظهري في الدنيا، بعد ربنا وهو الوحيد وسط خمس بنات كان بيشتغل طول اليوم وعمره ما قصر معايا ولا مع أخواته، كان شايلني أنا وأخواته فوق رأسه، باستمرار لما "يشوفني زعلانه يقول لي ما تزعليش طول ما أنا موجود يا أمي" هو اللي كان بيجيب لي كل أدويتي وطلباتي، لما نزل من البيت وكان في طريقه للشغل شاف بنت بتجري وتصرخ وواحد كان بيتحرش بيها ويشدها من هدومها ابني ما قدرش يسكت تدخل علشان ينقذها، ابني مات ضحية شهامته، كل ذنبه انه جدع ومرضيش يسيب بنت بتستغيث من غير ما يساعدها، حسب الله ونعم الوكيل في اللي حرمني منه، وأنا واثقة أن ربنا هيجيب لي حق ابني اللي راح ضحية شهامته بحكم القضاء".
العنف أسرع من الضمير
وحول هذه الجريمة النكراء يعلق دكتور علي عبد الراضي أستاذ الطب النفسي قائلا: هذه الواقعة توضح كيف اصبح العنف أسرع من الضمير؟ جملة مؤثرة قالها "المجني عليه" للجاني وهي "معندكش أخوات بنات"؟ لم تكن هذه الجملة وفقا لما تداولته القصة سوى محاولة أخيرة من "المجني عليه" لإيقاظ ضمير "الجاني" ومعاتبته الذي كان يحاول التحرش بالفتاة في الشارع وبدلا من أن تجعل الجاني يتراجع عن اعتدائه كانت الشرارة الأخيرة له جعلته يقرر الانتقام من المجني عليه وطعنه في رقبته بزجاجة مكسورة بضربة قاتلة وتحولت محاولة الدفاع عن الفتاة إلى جنازة خرجت من بيت بسيط فقد ابنه الوحيد.
هذه الجريمة تفتح ملفًا نفسيًا واجتماعيًا شائكًا: كيف يسبق العنف الضمير؟ ففي علم النفس لا يعد التحرش دائمًا سلوكًا تحركه الدوافع الجنسية وحدها بل هو رغبة دفينة في فرض النفوذ والسيطرة على الضحية وعندما تدخل المجني عليه لكسر هذه السيطرة لم ير فيه الجاني ناصحًا بل اعتبره تهديدًا مباشرا لسلطته وهيبته أمام المارة، ففي تلك اللحظات تشوه التفكير لدى المعتدي واختفت الحدود بين الدفاع عن النفس والعدوان ليصبح القتل وسيلته الوحيدة لاستعادة نفوذه المزعوم، وعلى الجانب الآخر تجسد شخصية المجني عليه ما يعرف في علم النفس الاجتماعي "البطولة الميدانية" هو مدفوع بمنظومة قيمية ترى نصرة الضعيف واجبًا أخلاقيًا وحتميًا حتى ولو كلفه ذلك حياته.
وتقول دكتورة سهير صفوت أستاذ علم الاجتماع: الحقيقة هذه الواقعة تجسد مأساة إنسانية واجتماعية عميقة لانها تمس قيم المروئة والشهامة الموجودة فعلا في المجتمع، للأسف الإحساس بالخطأ يعتبر بالنسبة للجناة نوعا من المهانة كما أن المواد المخدرة المنتشرة حاليا مثل"الايس والشابو ودورهم في ارتفاع نسب العدوانية وإلغاء الشعور بالندم عند ارتكاب الجريمة، أيضا التنشئة الاجتماعية المشوهة وبعد الاسرة عن التربية الصحيحة واختلاط التربية بمفاهيم مغلوطة عن السيطرة على النفس وتصدير نماذج العنف والبلطجة والتي تبرزها الألعاب الالكترونية وفقدان المعايير الاجتماعة كل هذا أدى في النهاية الى ارتكاب هذه الجريمة التي اصبحنا نراها تتكرر من وقت لآخر رغم علم ويقينهم الجناة أن الشرطة سوف تقبض عليهم في غضون ساعات قليلة مثلما حدث بعد هذه الجريمة، لم يتأخر رجال المباحث في إلقاء القبض على الجاني، كل ذلك يتطلب ردعًا قانونيًا من المشرع بتشديد العقوبة وتغير في استراتيجيات التربية وأقصد بذلك البيت والمدرسة لإعادة بناء الوعي القيمي.
اقرأ أيضا: القبض على سايس سيارات لاتهامه بالتحرش بمحامية في حدائق القبة