محمد ياسين يكتب: مصر التي لا يراها المتشائمون

محمد ياسين

السبت، 25 يوليه 2026 - 04:22 ص

آخر ساعة

هناك من يرى نصف الكوب الفارغ، وهناك من ينظر إلى النصف الممتلئ. لكن الأخطر من التشاؤم، أن يتحول إلى عدسة لا ترى سوى السواد، فتختفى أمامها كل صور النجاح، وكأن مصر لم تعد قادرة على الإنجاز.. ودائما هناك مصر أخرى.. لا يراها المتشائمون. مصر التى تنشئ مدنًا جديدة لتستوعب الزيادة السكانية، وتطور شبكة طرق، وتحدث موانئها ومطاراتها، وتوسع رقعتها الزراعية، وتستثمر فى الطاقة والصناعة والتحول الرقمى، وتعمل على توطين التكنولوجيا، وتؤسس لمستقبل يعتمد على الإنتاج لا على الاستهلاك. وهناك مصر التى لا تتصدر الترند، لكنها تتصدر ميادين العمل. مصر المهندس الذى يشرف على مشروع قومى، والطبيب الذى ينقذ حياة مريض، والعامل الذى يقف أمام ماكينة الإنتاج، والباحث الذى يقضى سنوات فى معمله، والجندى الذى يحرس حدود الوطن فى صمت. وهناك أيضًا مصر التى أثبتت، وسط إقليم يموج بالأزمات والصراعات، أنها قادرة على الحفاظ على تماسك مؤسساتها واستقرارها، وهو أمر قد يبدو للبعض اعتياديًا، لكنه فى منطقة مضطربة يعد إنجازًا يستحق التقدير. ولا يعنى ذلك أن مصر بلا مشكلات، أو أن الطريق مفروش بالورود. فالتحديات الاقتصادية وضغوط المعيشة وارتفاع الأسعار حقائق يشعر بها كل مواطن، ولا يجوز إنكارها. لكن الفارق كبير بين الاعتراف بالمشكلة والعمل على حلها، وبين تحويل اليأس إلى منهج، وإنكار كل خطوة إلى الأمام. الأمم لا تبنى بالتشاؤم، ولا بالشعارات، وإنما بالنقد المسئول الذى يكشف الخطأ، ويعترف فى الوقت نفسه بالإنجاز. فمصر لا تحتاج إلى من يصفق لكل شىء، كما لا تحتاج إلى من يهاجم كل شىء، بل تحتاج إلى عين ترى الحقيقة كاملة. إن مصر التى لا يراها المتشائمون هى مصر التى يعمل أبناؤها كل يوم فى صمت، ويؤمنون بأن بناء الأوطان رحلة طويلة، وأن الإنجازات الكبيرة لا تولد بين ليلة وضحاها، بل تصنعها سنوات من العمل والإرادة والصبر. فلنختلف فى الرأى كما نشاء، ولنتحاور حول الأولويات والسياسات، فهذا حق مشروع. لكن لا ينبغى أن نختلف على حقيقة واحدة، وهى أن هذا الوطن يستحق أن نراه بعين الإنصاف؛ نعترف بما يواجهه من تحديات، ونقدر فى الوقت نفسه ما يحققه من إنجازات. فمصر ليست كما يرسمها المتشائمون... وليست أيضًا كما يصورها المبالغون فى التفاؤل. إنها وطن يصنع مستقبله كل يوم، بخطوات قد تكون بطيئة أحيانًا، لكنها تمضى إلى الأمام.