ملاك المعدية

ملاك المعدية

الأحد، 26 يوليه 2026 - 10:36 ص

أخبار الأدب

أحمد المنجى -  أما آن لنا أن نتحرك. وكزتها صاحبتها التى تلاصقها فى الكرسى بكوعها فى خفة وقالت بلهجة مواربة: -  وكيف لنا؟ كلنا تحت أمر سنيورة أشمون والمنوفية كلها! انزوى فم السائق الشاب عن شبه ابتسامة لِما سمع من كلماتهن وهو ينفث دخان سيجارته. ولم تمض دقائق حتى قدمت أفنان، وهى تكاد تضيء رغم الصباح المنبلج، مهرولة نحو العربة، مزدانة بالأبيض من الحذاء إلى الطرحة الملفوفة حول وجهها القمرى البضّ كالحليب، متوسطة القوام رشيقة اللفتات. ومال الشاب بجذعه فى لهفة ليفتح الباب المجاور للسائق، وركبت وأغلقت الباب وحيت البنات وحيوها لمزاً وأُغلق الباب الجرار وتحرك الميكروباص. لم يعد ما يسرى من غمز ولمز فى الكراسى الخلفية عن ما بينها وبين السائق الشاب يضايقها إلى حد كبير، فغير أنها قد اعتادته واعتادت قفشات زميلاتها لها، هو أنها فطنت إلى ما يضفيه ذلك من شرعية ونبل وكشوف على علاقتيهما كشاهد على عقد. ورماها الشاب بنظرة جانبية مشاكسة وهو منتصب فارد الذراع إلى التارة وقال بنبرة كنظرته: - كيف لملاك أن يكون عمله فى مزرعة بصل بأبى غالب؟ وتورد وجهها حياءً وعبثت أصابعها ببعضها وردت بلهجة مندفعة عصبية: - ومن أين نأكل أنا وأمى المسكينة ومعاش أبى رحمه الله لا يُشبِع جائعاً ولا يكسى عارياً. ونظرت إلى الطريق أمامها وقالت كالمتمنية: -  فقط تطلع نتيجة الثانوية وأقدم بها فى أى شغلانة بمرتب شهرى محترم. وكاد أن يقول شيئاً لكنها أردفت فى حماسة وهى تلف بجذعها نحوه: -  اسكت، ألم أقل لك أننى قد قررت أن أشترى لأمى ماكينة الخياطة التى أرسلتها لك على (الواتس) منذ أيام! -  ولكنها ليست بالرخيصة، من أين لك بثمنها؟ -  سأقبض اليوم يومين متأخرين إلى جانب أنى أدخر مبلغاً وربك كريم، ياه لو لم يكن حال أخى زفتاً إلى هذه الدرجة، المهم أنه لا بديل عن شرائها فالطبيب قد أجزم بأن مشكلة ظهرها لن تمكنها من الذهاب إلى العمل لمدة تزيد على ستة أشهر ورغم المبلغ الذى سيدفع فيها إلا أنها ستدر ما نستر به أنفسنا على الأقل لهذه الفترة. وأدار وجهه نحوها وحدجها بنظرة نافذة كأنما ينسخ وجهها المليح الذى يقطر حسناً وشباباً ثم قال بصوت شجي: -  لا تقلقى إنى معك وسنتدبر الأمر معاً. وغلب الحبور الحياء فيها ولم تقدر على تقويض ابتسامة عفوية، وحوَّلت وجهها عنه إلى النافذة فى ارتباك وأسلمت خدها للنسيم يلامسه ويغويه كما يفعل بأعواد القمح وأوراق الذرة على الطريق. وهى التى قد جبلها حرمان الأبوة فى سنٍ صغيرة على الجدية والمسؤولية ونقص فى الثقة والأمان، وجعل جمرة الاحتياج فيها أشد اتقاداً فكانت كأى فتاة ترصد الحب ويهفو إليه قلبها إلا أن على هذا الحب أن يكتسى بجلباب الأبوة، فالاتكاء مُقدم على الغزل والأمان مقدم على الوعود. وقد خالت فى الشاب ما تمنت ولم تكن تطالعه إلا بعينٍ شاكرة وامقة حالمة فهو يكبرها بعقد تقريباً وجريء جسور شهم وابن أصول وله صيته وهو معها سبّاق بالاهتمام وتجسيد للمروءة والحنية. صعد الميكروباص عتبة معدية أبو غالب وهُزت لصعوده الأبدان فيه وقالت فتاة فى الكنبة الخلفية متأففةً: -  أما آن لهم أن ينتهوا من ذاك الكوبرى حتى نتجنب ركوب معدية الموت تلك، إننى أتشهد رعباً كل يوم روحة وروجعاً. وعلقت أخرى: -  منذ أن ولدت وهم يقولون فى خلال ثلاث سنين على أقصى تقدير ستنتهى أعمال إنشاء الكوبري. وركن الميكروباص جانب السور وفُتح الباب الجرار ونزلت الفتيات يتمطعن ويضبطن ملابسهن ويعبئن رئاتهن بأجود هواء استعداداً ليوم عمل جديد فى المزرعة، وخلبت مياه النيل الهادئة الطيبة بعضهن وطوله الذى لا يلوح له منتهى فارتفقن السور وجالت الأبصار والأحلام على صوت هدير المحرك الذى يتأهب للإبحار. أما أفنان فقد لبثت فى مقعدها إلى جوار الشاب وقد طوق ذراعه ظهر كرسيها وارتاح فى مجلسه وشرعا فى الحديث ككل يوم حتى يصلوا إلى البر الاخر. - المهم فى الأمر كله هو ألا تعرف أمك بتجارة أخيكِ. - اللهم باعد بيننا وبين هذا اليوم، ستهلك فور أن تعرف، إنها تظن أن طريقه قد استقام بعد خروجه من السجن وأنه بات يعمل فى ورشة سيد النجار ويكسبها بالحلال. - ومتى هذَّب السجن إنساناً أو أصلحه! ها هو أخاكِ قد دخل متعاطياً وبعد أشهر خرج تاجراً متعاطياً. ورمت إلى الأفق نظرة حسيرة متأثرة بذكر حال أخيها، وما لبثت هكذا لثوانٍ حتى دبت فيها انتفاضة كأنما تذكرت شيئاً هاماً وراحت تستخرج من حقيبتها عُلبة بلاستيكية وفتحتها لتشى عن ساندويتشات قد حضَّرتها ليفطرا بها سوياً هى مرد تأخرها فى الصباح. والتقف منها رغيفاً وهو شارد عنها تماماً وقد ألحَّ عليه ذاك الخاطر الأسود من جديد، وكثيراً ما صار يلِح. فمنذ أن رآها أول مرة فى إجازتها الماضية فى جمع فتيات يوصلهن ليشتغلن فى إحدى مزارع البصل بمنطقة أبو غالب، عرف أنها شقيقة سيد العاجي، وكيف ينسى أخاها وهو الذى – وتحت تهديد السلاح الأبيض -  نهب منه فرش الحشيش الذى كان يبيعه تحت رعاية معلمه، فطرده المعلم أذل طردة مجبراً على دفع ثمن ما ضيَّعه، ووجد نفسه مُكبَّاً على طارة ميكروباص يعصر جسده وروحه حتى يظفر فى المساء ببضعة جنيهات لا تقدم ولا تأخر. فلما رأى شقيقته حسبها صيداً لا يُعوَّض فى غابة الانتقام، وتقرب منها واستمالها ومثَّل دور السند والحبيب على أكمل ما يكون حتى يرى علامَ ينوي، غير أن الدور قد لبسه، وخفق قلبه لها واستُثيرت نحوها مشاعره وذاب الخبث والكيد فى ماء صفائها وحُسنها وعرفت المودة سبيل قلبه وصارت مشكاة حياته الكاحلة وأفنان أرضه القاحلة. ولكن رواسب حقد عليها شخصياً لم تزل تتسلل إلى خاطره كل حين، وهو ما خطر عليه آنها، فكيف لفتاة مقمطة مثلها أن تجرى فى الحياة كشعلة نشاط وحيوية تطرق أبواب الفرص باسمة الثغر آملة، بينما هو سائم ناقم لا يرى فى الدنيا سبيل نجاح إلا فى الطريق الذى قطعه عليه أخوها. وبدد شروده استغاثة أفنان المحشوة بطعام يُمضغ وزياط فى الخارج، فهرع نازلاً من العربة إلى المعدية فإذا برجل فحل يغازل إحدى الفتيات الواقفات مغازلة عارمة، فهتف الشاب بالفتيات للصعود، وكان مع الفحل عُصبة فعرف أحدهم وشبَّه على آخر وكانا من رجال معلِّمه وبدا أنهم مسطولون أيما سَطل. هكذا الدنيا، مهما أخذت فهى تعطيك فُرصاً مبطنة، وتلك فرصة مواتية لرد الاعتبار. وقال لنفسه: ماذا لو دعكت رجالك الآن يا معلم وندَّمتك أشد ندم! وسرى الأدرينالين فى جسمه وتبادلوا التلاسن بالجوارح وانعطافات الأفواه. وصدر عن محرك المعدية صوت كالخوار فتقلقل واضطرب كل من عليها وارتج، بيد أن المتلاسنين تماسكت أبدانهم كالمعتادين وتوثبوا لعراك دامٍ. واخترق رأس الشاب هاجس كالرصاصة، هل يعقل أن يكون قد ترك فرامل اليد دون أن يرفعها؟ فرمى نظرة مصعوقة مرعوبة نحو الميكروباص فوجده آيل للسقوط بهدوء وروية من أثر الهزة كأنه يتسلل بفتياته خارج الدنيا بعيداً عن الأعين وبلا شوشرة. وتصلبت أطرافه وانعقد لسانه وحُبست أنفاسه حتى طرقت على رأسه قبضة مباغتة فسقط متكوماً ووجه أفنان الباسم لا يبرح خياله ولا يسمع إلا ولولةً وصراخاً مستغيثاً: انقذوا البنات، البنات تغرق!