روائع الحضارة.. حكاية تمثال خشبي صمد آلاف السنين محتفظًا بأسراره
الإثنين، 27 يوليه 2026 - 12:22 م
شيرين الكردي
عندما تُذكر الحضارة المصرية القديمة، تتجه الأنظار عادة إلى التماثيل الحجرية الضخمة، لكن هناك أعمالًا فنية خشبية لا تقل إبداعًا وروعة، فهذا التمثال الخشبي، الذي صمدت ألوانه وتفاصيله آلاف السنين، يكشف جانبًا آخر من براعة المصري القديم في النحت والتلوين، ويؤكد أن الإبداع لم يكن حكرًا على الحجر، بل امتد إلى الخشب ليخلّد مشاهد نابضة بالحياة.
يجسد هذا التمثال الخشبي واحدًا من أروع النماذج التي تعكس مهارة الفنان المصري القديم في التعامل مع الخشب، وتحويله إلى عمل فني يجمع بين الدقة الجمالية والرمزية الدينية.
- نموذج فريد في فن النحت
وصُنع التمثال من خشب الميموسوبس، وهو أحد أنواع الأخشاب التي استخدمها المصريون القدماء في صناعة التماثيل والأثاث، وقد نُحت بعناية فائقة ثم زُين بالألوان التي لا تزال تحتفظ بجزء كبير من بريقها رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام.
يُعد هذا التمثال من النماذج الفريدة التي تبرز مدى التقدم الذي وصل إليه المصري القديم في فن النحت على الخشب، كما أن اختيار خشب الميموسوبس لم يكن عشوائيًا، بل جاء لما يتميز به من صلابة وقدرة على تحمل عوامل الزمن.
- دلالات دينية ورمزية
احتفاظ التمثال بألوانه وتفاصيله الدقيقة حتى اليوم يعكس براعة المصريين القدماء في تقنيات التلوين والتثبيت، كما أن العناصر الرمزية التي يتضمنها تحمل دلالات دينية وثقافية تعكس عمق الفكر المصري القديم.
اقرأ ايضا| اعرف الحكاية.. من هو الملك "أوت إيب رع" صاحب القناع الخشبي النادر؟
ويصور التمثال صاحبه واقفًا مرتديًا المئزر المصري التقليدي، مع شعر مستعار وأذنين مثقوبتين، بينما يحمل لافتة ويشير إلى رأس كبش، في إشارة تحمل دلالات دينية ورمزية ارتبطت بالمعتقدات المصرية القديمة، حيث كان الكبش رمزًا للقوة والخصوبة، وارتبط بعدد من الآلهة المصرية.
- أمهر الحرفيين في تاريخ الحضارة
ويكشف هذا العمل عن المستوى المتقدم الذي وصل إليه المصري القديم في فن النحت الخشبي، إذ نجح في إبراز تفاصيل الوجه والجسد والملابس بدقة كبيرة، إلى جانب استخدام الألوان لإضفاء الحيوية والواقعية على التمثال، وهو ما يؤكد أن الفن المصري القديم لم يكن مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل كان لغة بصرية تحمل رسائل دينية وثقافية وحضارية.
ويعود هذا الأثر الفريد إلى الأسرة التاسعة عشرة من عصر الدولة الحديثة، وقد عُثر عليه في دير المدينة، القرية الشهيرة التي عاش فيها الفنانون والعمال المهرة الذين تولوا تشييد وزخرفة المقابر الملكية في وادي الملوك، وكانوا من أمهر الحرفيين في تاريخ الحضارة المصرية.
- تطور فن النحت
ويُحفظ التمثال حاليًا في متحف اللوفر، حيث يُعد أحد الشواهد المهمة على تطور فن النحت الخشبي في مصر القديمة، ويجذب اهتمام الباحثين والزوار لما يتميز به من جودة تنفيذ وحفاظ استثنائي على تفاصيله.
ويؤكد هذا التمثال أن عبقرية المصري القديم لم تقتصر على تشييد المعابد والأهرامات أو نحت التماثيل الحجرية العملاقة، بل امتدت إلى الأعمال الخشبية الدقيقة التي جمعت بين الإبداع الفني والمهارة الحرفية والرمزية الدينية، لتظل شاهدًا حيًا على حضارة أبهرت العالم وما زالت تكشف عن أسرار جديدة مع كل اكتشاف أثري.