في ذكرى رحيله.. «طبيب الغلابة» الذى عاش من أجل الفقراء
الثلاثاء، 28 يوليه 2026 - 04:21 م
آلاء اليمانى
تحل اليوم ذكرى رحيل الدكتور «محمد مشالي»، المعروف بلقب "طبيب الغلابة"، الذي ترك بصمة إنسانية خالدة في تاريخ الطب المصري، بعدما كرس أكثر من 5 عقود من عمره لعلاج الفقراء والبسطاء بأجر رمزي، واضعًا رسالة الطب والإنسانية فوق أي مكاسب مادية، ورغم رحيله، لا تزال سيرته ومواقفه النبيلة حاضرة في وجدان المصريين، باعتباره نموذجًا للطبيب الذي جعل الرحمة والعطاء أسلوب حياة.
رحيل "طبيب الغلابة"، المولود في 1944 بإحدى قرى محافظة البحيرة (غرب دلتا مصر)، أثار حينها حالة من الحزن، ومازال هذا الحزن يتجدد كل عام تزامنًا مع ذكرى وفاته، وفي هذا السياق نستعرض فيما يلي إرثه الذي لا يزال حاضرًا.
نشأة طبيب الغلابة
ولد الدكتور محمد مشالي في أسرة بسيطة الحال، فوالده كان أستاذاً بوزارة التربية والتعليم والأم ربة منزل، قد انتقل مع والده إلى مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وهناك تدرج في المراحل التعليمية حتى التحق بكلية طب قصر العيني بالعاصمة القاهرة.
وقتها، تأثر الشاب بنصائح أساتذته في الكلية الذين كان يرددون "من يريد امتلاك عمارة أو عزبة فعليه العمل في الاستيراد والتصدير، أما من يعمل في مهنة الطب فهو يعمل ليكسب دعوات الفقراء وهذه أعظم المكاسب".
أوصاه والده بخدمة الفقراء وعلاجهم دون مقابل، ليعمل بآخر كلمات أودعها الأب لدى ابنه قبل وفاته.
كرّس حياته لعلاج الفقراء
بدأ مشالي حياته العملية في أماكن ريفية يعانى مواطنيها من أمراض البلهارسيا والإنكلستوما، بسبب عملهم في الزراعة. بينما لا يملك هؤلاء ثمن العلاج، وهو ما دفعه للتطوع لعلاجهم.
وكما في حياة كل إنسان نقطة تحول، كان لدى الدكتور محمد مشالي لحظته الخاصة، التي جعلته يتمسك أكثر بوصية والده وأساتذته، فذات يوم، هرع الطبيب لعلاج طفل طفل صغير مريض بالسكري أشعل النار في نفسه، لعدم قدرة والدته على دفع تكلفة علاجه.
ويقول: "كان يبكي من الألم ويطلب من والدته أن تعطيه حقنة الإنسولين، فردت أم الطفل قائلة إنها لو اشترت حقنة الإنسولين فلن تستطيع شراء الطعام لباقي إخوته، ما دفعه للصعود إلى سطح المنزل وإشعال النار في نفسه".
ورُغم محاولته إنقاذ الطفل إلا أنه فشل، فكان لهذا الموقف بالغ الأثر في مسيرته المهنية، جعلته مؤمنا أكثر بنبل عمله الإنساني قبل التفكير في العائد المادي.
نصف قرن في خدمة المرضى
قضى الدكتور محمد مشالى سنوات حياته يعمل جاهد فى خدمة مرضاه من الغلابة، مقسما وقته بين عيادته الكائنة بجوار مسجد العارف بالله سيدى أحمد البدوى، وعيادته الثانية بقرية شبشير الحصة مركز طنطا، فكان يخرج من بيته فى السابعة صباحا، ويتجه لعيادته الأولى بجوار مسجد شيخ العرب، حاملا "كحكه" والتى كانت هى وجبة إفطاره، ويستقبله مرضاه الذين يفترشون الشارع انتظارا لوصوله، لتوقيع الكشف الطبى عليهم.
ورفض طبيب الغلابة هدايا كثيرة منها تجهيز وتجديد العيادة بالكامل، وكان يرفض ذلك، وطلب من المتكفلين بذلك التبرع بها للفقراء.
رفض مبلغ كبير
في شهر رمضان الماضي، عرض أحد البرامج مبلغا كبيرا على الطبيب الراحل وتجديد عيادته لمساعدته في عمله التطوعي فرفض بإباء، وقال لهم العون والمساعدة من الله، وأنه لا يطلب مقابلا لعمله سوى من الله، وأضاف "أعطتني الدنيا أكثر مما أتمنى وأكثر مما أستحق، ولا يمكن أن أترك أحدا يموت من الألم"، ناصحا القائمين على البرنامج بتقديم هذه التبرعات للأطفال بلا مأوى، أو الأطفال الأيتام والمحتاجين.
وكشف الطبيب الراحل في مقابلة ثالثة أنه يبدأ يومه بالاستيقاظ في السابعة والنصف صباحا، ثم يتوجه لعيادته، ويظل بها حتى أذان المغرب ثم يعود لمنزله، وبعدها يتوجه للعيادتين الأخريين بقريتين مجاورتين لطنطا لتوقيع الكشف الطبي على أبناء القريتين، مشددا على أن سعر الكشف في العيادتين 5 جنيهات فقط.
رحيله وبقاء سيرته
عاش الدكتور محمد مشالى يتمنى أمنية واحدة، وهى أن يتوفاه الله وهو يوقع الكشف الطبى على مرضاه، وتحققت امنيته، حيث تعرض لوعكة صحية في 28 يوليو 2020 أثناء تواجده فى عيادته، وتم نقله لمنزله، ورحل الدكتور محمد مشالي عن عمر ناهز 76 عامًا، بعد رحلة حافلة بالعطاء والعمل الإنساني، ورغم مرور السنوات على وفاته، ما زال اسمه حاضرًا في وجدان المصريين، باعتباره نموذجًا للطبيب الذي جعل الرحمة أساس مهنته، وأثبت أن خدمة الناس قد تترك أثرًا يبقى طويلًا بعد رحيل صاحبها.