مصطفى عبده
مصطفى عبده


مصطفى عبده يكتب: إرادة تختصر الزمن

مصطفى عبده

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025 - 04:34 ص

ليست كل الأمم قادرة على عبور منحدرات التاريخ ومنعطفاته الخطرة لتنتزع لنفسها موقعًا راسخًا فى المستقبل .

  فبعض الدول تظل تستنزفها التحديات ، وتتبدد طاقاتها في صراعات الأزمات، بينما قليلة ، التي تمتلك إرادة صلبة  لا تهتز، وإصرار لا يهاب وعورة الطريق ولا ثقل الصعوبات؛ تلك الأمم وحدها هي التي تصنع زمنها الخاص وترسم خطها المستقيم وسط منحنيات التاريخ.

في مصر 30 يونيو، لم تكن الإنجازات الكبرى وليدة الصدفة؛ بل تحققت بإرادة قادرة على اختصار الزمن، وتحويل أحلامٍ طال سباتها على الأرفف لعقود طويلة، إلى واقع حي ينبض على الأرض ويقف له العالم احترامًا وتقديرًا، إرادة أعادت تعريف الممكن، ورسمت مسارًا جديدًا لدولة تبحث عن موضعها الطبيعي في المقدمة. على امتداد 450 كيلومترًا يتصل الشرق بالغرب عبر إنجازات تعكس حجم هذا التحول؛ فمن ميناء شرق بورسعيد على الشمال الشرقي، حيث يعانق البحر المتوسط الجسرَ الرابط بين القارات الثلاث، إلى الحلم النووي السلمي ــ محطة الضبعة النووية ــ على الشمال الغربي، تتجسد الإرادة المصرية التي تشكّل ملامح الجمهورية الجديدة.

ففي شرق بورسعيد، يقف أحد أقوى موانئ العالم شاهدًا على قدرة المصريين على تحدي المستحيل، ويعزز دور مصر الاستراتيجي في قلب حركة التجارة العالمية، حيث شهد الرئيس السيسي منذ أيام قلائل افتتاح عدد من المحطات البحرية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتُضاف إلى سجل الإنجازات.

هناك ، رأينا  كيف تحولت الأرض الرخوة إلى ميناء يُصنَّف اليوم كأول ميناء حاويات في أفريقيا والثالث عالميًا، بفضل رؤية جعلت من قناة السويس ليس فقط ممرًا عالميًا، بل مركزًا لوجستيًا وصناعيًا. خطوات وُضعت بدقة لتجعل من مصر مركزًا إقليميًا للنقل وتجارة الترانزيت.

وكما ذكر الفريق كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة: تم تطوير 14 ميناءً، وارتفعت المساحات المخصصة للموانئ من 40 مليون متر مربع عام 2014 إلى 75 مليون متر مربع عام 2025، وصولًا إلى 100 مليون متر مربع بحلول 2030، مع ربط الموانئ بشبكات نقل متعدد الوسائط، أبرزها أنفاق 3 يوليو.

وعلى الضفة الأخرى من رحلة الإنجاز، وفي قلب الضبعة، يتجسد حلم آخر، حلمٌ تأخر ستين عامًا، أصبح حقيقة بفضل إرادة ورؤية القيادة السياسية.

فقبل أيام قليلة، شهد العالم لحظة تاريخية استثنائية من محطة الضبعة النووية، حيث شارك الرئيسان عبدالفتاح السيسي وفلاديمير بوتين ــ عبر الفيديو كونفرانس ــ في تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى، وتوقيع أمر شراء الوقود النووي، في خطوة محورية تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين مصر وروسيا الاتحادية، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بالعيد المصري الخامس للطاقة النووية، الذي يوافق التاسع عشر من نوفمبر من كل عام.

كما تم فى حضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، توقيع اتفاقية البرنامج الشامل للتعاون مع شركة «روساتوم» الروسية في مجالات عديدة، منها المجال النووي وبعض المجالات التي تخدم القطاع الطبي، ومنها إنتاج النظائر المشعة لعلاج الأورام.

لقد شرفت بالتواجد هناك، لأشهد كيف تحوّلت الفكرة إلى مفاعل نووي سلمي، وكيف تحوّل المخطط إلى محطة عملاقة بطاقة 4800 ميجاوات، وكيف صارت الصحراء الصامتة مدينة للطاقة ومركزًا علميًا وصناعيًا عالميًا سيغيِّر خريطة التنمية لمائة عام مقبلة.

فالمشروع يوفّر ما يصل إلى 3.5 مليار دولار سنويًا، تُنفق على استيراد الوقود التقليدي لمحطات الكهرباء، ويخلق آلاف فرص العمل، ويضع مصر في موقع ريادي على خريطة الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

لم يكن هذا الإنجاز ممكنًا إلا بجهد العلماء والمهندسين والفنيين والعاملين المصريين.

وكما ذكر الدكتور شريف حلمي، رئيس هيئة المحطات النووية: فإن أكثر من نصف أعمال البناء تُنفَّذ بأيادٍ مصرية، ويتلقى مئات المهندسين تدريبًا في أكبر المؤسسات النووية العالمية، وستعمل المحطة بكوادر مصرية بنسبة 100%، وستضيف إلى شبكة الكهرباء المصرية 35 مليار كيلووات/ساعة من الطاقة النظيفة بأعلى معايير السلامة والأمان.

إن اللحظات الاستثنائية في مشهدي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بميناء شرق بورسعيد و محطة الضبعة النووية، ورغم تباعد المسافات، تجتمعان في إرادة لا تعرف المستحيل؛ فإذا كانت محطة الضبعة قد أعادت لمصر حلمها النووي، فإن شرق بورسعيد تؤكد مكانة مصر البحرية والتجارية، وأن مصر ليست فقط دولة عبور، بل دولة صناعة ولوجستيات تمتلك موانئ قادرة على المنافسة، تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للنقل وتجارة الترانزيت.    

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة