كلاب الشوارع
تراعي سلامة المواطنين والرفق بالحيوان.. استراتيجية وطنية لمواجهة كلاب الشوارع
السبت، 10 يناير 2026 - 02:02 ص
■ كتب: ندى البدوي
يتجدد الجدل في مصر حول ظاهرة كلاب الشوارع مع تصاعد حالات العقر والممارسات العنيفة في المقابل ضدها، لتعود القضية إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، لما تمثله من تقاطع مباشر بين سلامة المواطنين والصحة العامة والبيئة ومبادئ الرفق بالحيوان.. ومع تزايد الشعور بالخوف لدى قطاعات واسعة من المواطنين وغياب ثقافة التعامل الرحيم مع الكلاب الضالة تبرز الحاجة إلى إعادة النظر جذريًا فى طرق التعامل مع الظاهرة، بعيدًا عن الحلول السريعة أو العنيفة التى أثبتت فشلها على مدار عقود، وهو ما تعمل عليه الاستراتيجية الوطنية الجديدة التي تهدف إلى السيطرة على أعداد الكلاب وحماية المواطنين من مخاطر العقر والسعار، وإعادة صياغة العلاقة مع الحيوانات.
◄ رئيس الخدمات البيطرية: خطة للتعقيم والتحصين وحظر القتل بالسم والخرطوش
◄ رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان: الممارسات العنيفة ضدها تغير سلوكياتها
مشهد الكلاب في الشوارع لم يعد عابرًا أو محدود النطاق، بل تحوّل فى بعض المناطق إلى وجود جماعى واضح، مع تضاعف أعدادها بشكل كبير، حيث تنتشر الكلاب فى شكل مجموعات أو قطعان، خاصة في الأحياء التى تعانى من تراكم القمامة وغياب الإدارة السليمة للمخلفات، بينما خلق غياب ثقافة التعامل مع الكلاب وانتشار السلوكيات العنيفة والخطاب العدائى المُحرض ضدها، دائرة مفرغة من العنف والتوتر المتبادل، أسهمت فى تغيّر سلوكيات الكلاب وزيادة حالات العقر حسبما يرى مختصون.
الجدل الدائر حول الظاهرة بلغ ذروته مؤخرًا عقب وفاة مواطن مسن بمحافظة بورسعيد، متأثرًا بإصابته بعقر كلب ضال، بعد تعرضه لهجوم من مجموعة من الكلاب فى أحد شوارع المحافظة.
ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة، إذ تعرض القس أرميا فهمي، المتحدث الإعلامي باسم مطرانية الأقباط الأرثوذكس ببورسعيد، لعقر فى ساقه اليمنى نتيجة هجوم مماثل. هذه الحوادث أعادت التأكيد على خطورة الظاهرة، وفرضت ضغطًا مجتمعيًا متزايدًا لاتخاذ إجراءات عاجلة، تحمى المواطنين دون الانزلاق إلى حلول انتقامية.

في هذا السياق، صدّق اللواء محب حبشى محافظ بورسعيد على إنشاء مركزين لجمع الكلاب الضالة بمدينتى بورسعيد وبورفؤاد، وأوضح المحافظ أن الشلترين سيجرى تجهيزهما وفق الاشتراطات البيطرية والصحية، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يضمن التعامل الإنسانى مع الحيوانات، ضمن خطة متكاملة للتعامل الحضارى مع الظاهرة.
بعد عقود من الاعتماد على القتل بالسم والخرطوش، وهى أساليب أثارت انتقادات واسعة وأثبتت فشلها عمليًا بدأت الحكومة فى انتهاج منهج جديد للتعامل مع الكلاب الضالة، وهو ما يؤكده الدكتور حامد الأقنص رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، موضحًا أن الاستراتيجية الوطنية الجديدة تمثل تحولًا جذريًا، يقوم على إدارة علمية مستدامة تحمى المواطنين، وتحافظ فى الوقت ذاته على التوازن البيئى واحترام مبادئ الرفق بالحيوان.
وتعتمد هذه الاستراتيجية - حسبما يشير الأقنص في تصريحه لـ«آخرساعة» - على عدد من المحاور تبدأ ببرامج الإمساك والتعقيم والتحصين وإعادة الإطلاق، وذلك للحد من التكاثر وانتشار الأمراض وبخاصة مرض السعار، إضافة إلى التخلص الرحيم من الكلاب الشرسة أو العقورة. هذه الخطة ترتبط بتطبيق مفهوم «الصحة الواحدة»، الذى يدمج بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، بالتكامل مع وزارات الصحة والبيئة والتنمية المحلية.
◄ اقرأ أيضًا | الخدمات البيطرية تنشر حملات تحصين وتعقيم "كلاب الشوارع"
وتابع: كما بدأنا بالفعل بإنشاء شلاتر إيواء حكومية فى عدد من المحافظات، من بينها محافظتا القاهرة والجيزة، ليس بهدف تفريغ الشوارع من الكلاب أو احتجازها بشكل دائم، وإنما باعتبارها مراكز تنظيمية مؤقتة يتم فيها جمع الكلاب، وتعقيم الإناث، وخصى الذكور، ثم تحصينها وإعادة إطلاقها فى نطاقها البيئى، وسنعمل خلال الفترة القادمة على تدريب عدد كبير من الكوادر البيطرية للتوسع فى هذه المنظومة.
وفي إطار مواجهة مرض السعار تعتمد وزارة الصحة على خطة متكاملة تهدف إلى خفض معدلات الإصابة والوفيات المرتبطة بحالات العقر، وترتكز الخطة على تعزيز الترصد الوبائى، وضمان إتاحة الأمصال واللقاحات الوقائية، من خلال شبكة تضم نحو 340 مركزًا للوقاية من مرض السعار موزعة على مستوى الجمهورية، تقدم خدمات التطعيم والمتابعة لما يقرب من مليون متردد سنويًا، وفق بروتوكولات علاجية محدثة.
يوضح الدكتور الحسيني محمد عوض مدير الإدارة العامة للرفق بالحيوان بهيئة الخدمات البيطرية أن التعامل العلمى مع ظاهرة كلاب الشوارع يبدأ بالحصر الدقيق للأعداد وفهم أنماط توزيعها وسلوكها، وليس باللجوء إلى حلول عشوائية. ويؤكد أن الهيئة طورت آليات إحصائية لحصر الكلاب، تعتمد على تقسيم المناطق إلى مربعات جغرافية، ودراسة نسب الذكور والإناث والجراء، ومعدلات التكاثر، التى تصل عالميًا إلى نحو 25% سنويًا. ووفقًا لهذه التقديرات، يتراوح عدد الكلاب فى مصر بين 10 و11 مليون كلب، وتستهدف الخطة خفض الأعداد والوصول إلى حالة استقرار خلال فترة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات عبر برامج التعقيم والتحصين.
متابعًا: التحرك التشريعى والقانونى كان بمثابة اللبنة الأساسية التى تقوم عليها الاستراتيجية، وعملية تنظيم اقتناء الحيوانات الخطرة، وذلك من خلال القانون رقم 29 لسنة 2023، الذى يتسق - ولائحته التنفيذية - مع توصيات المنظمات الدولية وعلى رأسها المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، من أجل الإدارة العلمية السليمة للملف.
وأضاف أن الحسيني في حديثه لـ«آخرساعة» إلى أن ظاهرة كلاب الشوارع والتعامل معها ظاهرة اجتماعية وثقافية بشكل كبير، فهناك عدد من المتغيرات التى طرأت على سلوكيات الكلاب خلال السنوات الماضية أسهمت فى زيادة حالات العقر، موضحًا أن نسبة كبيرة من هذه الحالات لا تعكس شراسة فطرية لدى الكلاب، بل سلوكًا دفاعيًا ناتجًا عن الخوف أو التغيرات الهرمونية خلال مواسم التزاوج فى الربيع والخريف.
كما أن كثيرا من السلوكيات الخاطئة مثل رشق الحيوانات بالحجارة أو الاعتداء على الجراء الصغيرة، تسهم فى استفزاز الكلاب ورفع احتماليات حوادث العقر، لافتًا إلى أن إلقاء القمامة المكشوفة والإطعام العشوائى للكلاب، يمثلان عاملين رئيسيين فى تجمع الكلاب واحتدام الاحتكاك مع المواطنين، وهو ما نسعى إلى التوعية به من خلال برنامج متكامل للتوعية.
ويؤكد الحسيني أن برامج التوعية تمثل عنصرًا حاسمًا فى خفض المخاطر، حيث يجرى العمل على نشر ثقافة التعامل الآمن مع الكلاب، وتحديد مناطق مخصصة للإطعام بعيدًا عن التجمعات السكنية، بالتعاون مع الأحياء والمجتمعات المحلية، خاصة فى الكومباوندات والمناطق الحضرية الجديدة. كما يشير إلى إطلاق حملات توعوية فى المدارس تستهدف الأطفال، باعتبارهم من أكثر الفئات عرضة للعقر، إلى جانب تعزيز الوعى بسلوكيات ما قبل وما بعد العقر، بما يقلل من الخسائر الصحية والنفسية، ويسهم فى إعادة قدر من التناغم إلى الشارع.
من جانبها، ترى الدكتورة منى خليل رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان أن تفاقم الأزمة التى وصلنا إليها هو نتاج مباشر لعقود طويلة من سياسات خاطئة اعتمدت على القتل باعتباره حلًا سريعًا للسيطرة على الأعداد، دون التعامل مع الجذور الحقيقية للمشكلة. مؤكدة أن استخدام السم والخرطوش لعشرات السنين لم يحقق أى خفض مستدام فى أعداد الكلاب، بل أسهم فى استنزاف موارد الدولة، وتلويث البيئة بمواد محظورة، وخلق فراغات بيئية سرعان ما امتلأت بقطعان جديدة، وتوضح أن هذه الممارسات لم تُقيَّم علميًا على مدار نحو خمسين عامًا، رغم وضوح فشلها، ما جعل الظاهرة تتفاقم بدلًا من أن تنحسر.
وتحذر خليل فى حديثها لـ«آخرساعة» من تصاعد خطاب عدائى وتحريضى ممنهج على وسائل التواصل الاجتماعى، يدعو إلى تسميم الكلاب أو الامتناع المتعمد عن إطعامها أو تصديرها إلى الخارج، معتبرة أن هذه الدعوات غير واقعية وغير إنسانية، ولا تقدم حلولًا حقيقية، بل تغذى دوائر العنف المتبادل بين الإنسان والحيوان. كما تحذر من ظاهرة «تشريس» الكلاب واستخدامها فى الترهيب، وما نتج عنها من تهجين مع سلالات عنيفة، أدى إلى تغيرات جينية وسلوكية واضحة لدى بعض كلاب الشوارع.
مشيرة إلى أن الاستراتيجية الوطنية الجديدة هى الأكثر اتساقًا مع المعايير الدولية، لكنها لا تزال فى مرحلة البناء وتحتاج إلى وقت وإمكانات وكوادر مدربة حتى تؤتى ثمارها. وتوضح أن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى وضع الخطط، بل فى توفير الأدوات الفنية والبشرية اللازمة لتطبيقها، وعلى رأسها فرق مدربة على الإمساك الآمن والتخدير والتعقيم، وتطوير البنية التحتية البيطرية.
وتربط خليل بين تفاقم الظاهرة وثقافة الملكية غير المسئولة للكلاب، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا من كلاب الشوارع هى فى الأصل حيوانات أليفة جرى التخلى عنها أو التخلص منها. وترى أن إعادة الاعتبار للكلب البلدى، وتشجيع التبنى، وتنظيم حيازة السلالات الخطرة، تمثل ركائز أساسية لأى حل مستدام، إلى جانب إعادة صياغة العلاقة المجتمعية بالحيوانات على أسس من الرحمة والمسئولية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
الدكتور عاصم سلامة يفك لغز الصمود الأبدي.. لماذا لم تُسقِط الزلازل الأهرامات؟
مصر والسودان.. أخوّة لا تهزها حملات التشويه| القاهرة تفضح أكاذيب «الجارديان»
اللواء عادل عزب: «30 يونيو» ثورة شعب كشفت الحقائق وأنقذت الوطن
الحكومة والبرلمان يطفئان نار الجدل قبل التعديلات.. «ضريبة الغاز» تشعل السوشيال ميديا
«النصر 2».. شريان جديد يربط بورسعيد وبورفؤاد
بين النفقة ووقف الخدمات| أمهات يبحثن عن النفقة.. وآباء يطالبون بالرؤية
«الألواح الشمسية» حل مناسب لمواجهة فواتير الكهرباء
غذاء صحي وتوفير للدولار.. «الحبة الكاملة» ترسم ملامح الرغيف المثالي
«مواقع الغوص البديلة» تحمي الشعاب المرجانية








