عبدالقادر شهيب
عبدالقادر شهيب


شىء من الأمل

رحيل جيل

‬عبدالقادر شهيب

الأربعاء، 18 فبراير 2026 - 07:28 م

وفاة الدكتور مفيد شهاب لا تمثل فقط رحيلًا لشخصية اتسمت بالاحترام الشديد للنفس والآخرين وشديدة العطاء للوطن، وإنما هى تمثل أيضًا رحيلًا لجيل كان له دوره البارز في هذا البلد، وترقبًا للرحيل للجيل الذي يليه في الدور. 

فإن جيل الدكتور مفيد شهاب بدأت تختفى منذ سنوات رموزه البارزة في مجالات عديدة شتى، واحدًا بعد الآخر أو واحدة بعد الأخرى، بحيث لم يتبق منه سوى القليلين الذين نخشى افتقادهم الآن.. وفي كتابي الجديد (شخصيات عرفتها عن قرب) تسع شخصيات من عشرين شخصية غيبها الموت كانت شخصية الدكتور مفيد شهاب المحترم آخرهم، أى نصف الشخصيات تقريبًا رحلوا عنا. 

وهذا الجيل الذى ولد فى الثلاثينيات من القرن الماضى عاش العصر الملكى بما شابه من ظلم وفساد وهو يبدأ شبابه، وحلم بالاستقلال وجلاء الإنجليز عن أراضى الوطن، وبعض أبنائه كافح من أجل تحقيق هذا الحلم، ثم شهد ثورة يوليو وآمالها التى تحقق البعض منها، مثل العدالة الاجتماعية والأخرى التى لم تتحقق، مثل الحياة الديمقراطية السليمة، وصدمته بشدة هزيمة يونيو وآلمته كثيرًا، وابتهج بحرب أكتوبر المجيدة التى انتظرها بشوق بالغ ست سنوات، ثم تعرض لصدمة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى السبعينيات من القرن الماضى ودفع بعض رموزه مثل الدكتور مفيد شهاب ثمنها من حريته حينما تم الزج به فى السجون، وشارك أبناء هذا الجيل بالسلاح أو بالقلم أو بالفن فى حرب الإرهاب التى خاضها الوطن عقدين من الزمان، وسعى البعض منه للتغيير من الداخل لسنوات طويلة حتى انطلقت انتفاضة يناير التى استثمرها الإخوان فى تحقيق حلمهم الأثير بالوصول إلى الحكم الذى ساندهم الأمريكان فى تحقيقه فى إطار خطتهم للهيمنة على المنطقة والتى كانت تقضى بفرض حكم الإخوان على بلدان المنطقة بعد أن اتفقوا معهم على حماية المصالح الأمريكية، ثم شاهدوا، بل انخرطوا فى انتفاضة يونيو للتخلص من حكم المرشد، وعاشوا أحداث سنوات ما بعد التخلص من حكم الإخوان وشاركوا الأجيال التى تليهم حلم حياة أفضل تنهض فيها البلاد قوية شامخة بالعدل والمساواة بين أبنائها مهما اختلفوا فى الجنس أو الدين أو العرق أو الانتماء الاجتماعى والسياسى والجغرافى. 

لقد عاش هذا الجيل، جيل الدكتور مفيد، والجيل الذى يليه حياة حافلة بالأحداث الكبيرة الضخمة فى مصر والعالم كله شهدت تقلبات عنيفة سياسية واقتصادية واجتماعية داخل البلاد وخارجها، وها نحن نودع فى سنواتنا الأخيرة رموز هذا الجيل، ونتأهب نحن أيضًا أبناء الجيل الذى يليه الذى ولد فى أربعينيات القرن الماضى لنأخذ دورنا فى الرحيل المحتوم ومازال حلمنا نحن وجيل الثلاثينيات من القرن الماضى قائمًا تشاركنا فيه أجيال أخرى ولدت فى الخمسينيات وما بعدها وأيضاً ولدت فى بداية القرن الحالى.   

إنه حلم لم يتغير رغم تغير الزمن والظروف وتبدل الأحوال والشخوص.. والأمل الآن معقود على الأجيال الشابة الجديدة التى ولدت فى بداية القرن الحالى..

لقد جاء الدور عليهم ليحققوا هذا الحلم... حلم وطن قوى شامخ يزهو باستقلاله ويفخر بتقدمه ويسوده العدل والمساواة ويعتمد المواطنة أساسًا للحياة فيه، ويحظى كل أبنائه بحياة آمنةً مستقرة تلبى فيها احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والتعليم والعلاج والمسكن بلا خوف أو قلق على المستقبل. 

لقد أدى جيل الدكتور مفيد دوره ورموزه يرحلون الآن وبعدهم يرحل أبناء الجيل الذى يليه. إنها سنة الحياة التى لا توجد فيها حقيقة مطلقة واحدة سوى الموت. ولذلك المسئولية الآن فى تحقيق الحلم الوطنى معقودة على الأجيال المقبلة على الحياة، ومصر كما نردد ولادة.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة