ملف التراث الثقافى
ملف التراث الثقافى


ماركات مصرية مسجلة| بعد الكشرى .. مصر تسعى لتسجيل العود ورقص الخيول و السبوع

ياسمين سامي

الخميس، 26 مارس 2026 - 07:54 م

مستشار «الثقافة» للتراث: التسجيل كل عامين ونقدم وثائق تاريخية لليونسكو

خبراء: التراث غير المادى قوة ناعمة تدعم الهوية والتنمية المستدامة
 

بعد أن نجحت مصر مؤخرًا فى تسجيل طبق الكشرى ضمن قوائم التراث، يعود ملف التراث الثقافى ليتصدر المشهد بوصفه أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدولة، وركيزة أساسية فى الحفاظ على الهوية الوطنية فى مواجهة موجات العولمة والتشابه الثقافى. فالكشرى لم يكن مجرد طبق شعبي، بل شهادة حية على تاريخ اجتماعى طويل، اختلطت فيه ثقافات متعددة وصاغه المصريون بروحهم الخاصة، ليصبح رمزًا يوميًا للشارع المصرى وذاكرته الجماعية.

اقرأ أيضًا| محطات على خريطة التـاريخ المركبـات الملكية

تسجيل الكشرى فتح الباب مجددًا أمام إعادة النظر فى عشرات العناصر التراثية المصرية، المادية وغير المادية، التى تزخر بها البلاد، وتسعى الدولة خلال الفترة المقبلة إلى تسجيلها دوليًا، سواء كانت أكلات شعبية أخرى، أو حرفًا يدوية مهددة بالاندثار، أو عادات وتقاليد ارتبطت بالمناسبات الدينية والاجتماعية، وصولًا إلى فنون الأداء الشعبى والموروثات المرتبطة بالحياة الريفية والبدوية والساحلية.

وتتحرك الجهات المعنية، بالتنسيق مع خبراء التراث والباحثين، لإعداد ملفات متكاملة لتوثيق هذه العناصر وفق المعايير الدولية، باعتبار أن تسجيل التراث لا يقتصر على حفظ الاسم أو الشكل، بل يشمل توثيق القصة والسياق الاجتماعى وطرق الممارسة وانتقالها بين الأجيال. وهى عملية تهدف بالأساس إلى حماية هذا التراث من التشويه أو السطو الثقافى، وضمان نسبه إلى موطنه الأصلي.

أهمية التراث لا تتوقف عند البعد الثقافى فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وسياحية مباشرة. فالعناصر التراثية المسجلة تفتح آفاقًا جديدة للترويج السياحي، ودعم الصناعات الإبداعية والحرف التقليدية، وخلق فرص عمل، إلى جانب تعزيز صورة مصر عالميًا كدولة ذات حضارة ممتدة وحياة ثقافية نابضة لا تنفصل عن حاضرها.

اقرأ أيضًا| اليونسكو تبدى قلقها على التراث الثقافى مع تصاعد العنف فى الشرق الأوسط

وفى ظل التغيرات السريعة التى يشهدها المجتمع، يصبح الحفاظ على التراث مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على الدولة وحدها، بل تشمل المجتمع المدنى والإعلام والمؤسسات التعليمية، فى نقل هذا الموروث للأجيال الجديدة بوصفه عنصر فخر وانتماء، لا مجرد ماضٍ يُروى. فكما نجح الكشرى فى الانتقال من طبق بسيط إلى رمز ثقافى معترف به، يمكن لعناصر أخرى من التراث المصرى أن تحظى بالمكانة ذاتها، إذا ما أُحسن توثيقها وحمايتها.. هكذا، لا يمثل تسجيل الكشرى نهاية الطريق، بل خطوة أولى فى مسار طويل لإعادة الاعتبار للتراث المصرى بكل تنوعه، وتأكيد حضوره على خريطة التراث العالمي، باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية مصر، وكنزًا يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

أكدت د. نهلة إمام، مستشار التراث غير المادى لوزير الثقافة، أن الدول من حقها تسجيل التراث كل عامين، وأن هناك مساعيا لتسجيل عدد كبير من التراث المصرى غير المادى مثل احتفالية السبوع ورقص الخيول والتحطيب والعود وعدد من المظاهر الاجتماعية والطقوس الاحتفالية والأكلات الاخرى.

وأوضحت إمام أن آليات التسجيل تبدأ بملء استمارة بها نوع التراث المراد تسجيله ومظاهره وارفاق عدد من الوثائق التاريخية والمخطوطات وأيضا فيديو وغيرها من مستندات لإثبات أصل هذا التراث.

دكتورة نهلة إمام لعبت دورا هاما فى تسجيل تراث غير مادى باسم مصر مثل السيرة الهلالية و الخط العربى والكشرى التحطيب والأراجوز.

التنمية المستدامة

يقول مصطفى كامل، الباحث بمرحلة الماجستير فى التراث الثقافى غير المادى ومؤسس مبادرة الحفاظ على المهن التراثية، إن الحديث عن هذا النوع من التراث يجب أن ينطلق أولًا من فهمه بوصفه أسلوب حياة الإنسان، لا مجرد مظاهر فولكلورية أو طقوس منفصلة عن الواقع. فالتراث الثقافى غير المادي، بحسب تعريفه، هو كل ما يعيشه الناس يوميًا من عادات وتقاليد وممارسات اجتماعية، بدءًا من طريقة الاحتفال بالأعياد والمناسبات، مرورًا بطقوس الفرح والحزن، ووصولًا إلى أنماط التفكير والتعبير التى تشكل الذاكرة الجمعية للمجتمع.

ويضيف أن هذا التراث يشمل منظومة واسعة من التفاصيل التى قد تبدو بسيطة لكنها شديدة العمق، مثل النظم القانونية التقليدية وعلى رأسها القانون العرفي، والألعاب الشعبية، والتقاليد المرتبطة بالمطبخ، والمواسم والأعياد الدورية، إلى جانب الأغانى التى تُغنى للأطفال، والأمثال الشعبية، والفوازير، والأساطير، والقصائد والأغانى الملحمية. كل هذه العناصر لا تعبر فقط عن ماضٍ بعيد، بل تكشف عن نظام حياة متكامل ما زال حاضرًا ومؤثرًا فى وجدان المجتمعات.

ويؤكد مصطفى كامل أن الاستمرارية تمثل شرطًا أساسيًا فى الاعتراف بالتراث الثقافى غير المادي، وفقًا لاتفاقية اليونسكو لعام 2003 الخاصة بصون هذا التراث. فلا يمكن اعتبار ممارسة ما تراثًا غير مادى إذا اندثرت تمامًا ولم تعد موجودة فى الواقع المعاش. فالتراث الحى هو الذى يُمارَس، وينتقل من جيل إلى آخر، ويظل مرتبطًا بحياة الناس اليومية، حتى وإن طرأت عليه بعض التحولات الطبيعية مع الزمن.

أما الموضوع الثاني، فهو فنون الأداء، التى تضم الموسيقى الغنائية، والآلات الموسيقية، والرقص، والمسرح، والشعر الغنائي. ويصفها بأنها من أكثر أشكال التراث تأثيرًا وانتشارًا، إذ توجد فى جميع المجتمعات وترتبط بالمناسبات المختلفة، مثل حفلات الزواج والاحتفالات والطقوس الخاصة. ويعبر الرقص الشعبي، على سبيل المثال، من خلال الحركات الإيقاعية والإيماءات، عن مشاعر جماعية أو أحداث محددة، كرقصات الصيد أو الحرب.

ويأتى الموضوع الثالث تحت مسمى الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، وهى عناصر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهوية المجتمعات التقليدية وخصوصيتها الثقافية. وتشمل طقوس الميلاد، والأعراس، والجنازات، والقانون العرفي، والألعاب التقليدية، والتقاليد المطبخية، والأعياد الموسمية، وممارسات الصيد، والأزياء الخاصة بالمواكب والطقوس، إضافة إلى الأطعمة المرتبطة بمناسبات بعينها، مثل أكلات عيدى الفطر والأضحى، التى لا تنفصل عن السياق الاجتماعى والديني.

أما الموضوع الرابع، فيتمثل فى المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، ويشمل طرق التفكير المرتبطة بالمكان، ومشاعر الانتماء، والذكريات الجمعية. ويضرب الباحث مثالًا بالموالد الشعبية المنتشرة فى مصر، وما تحمله من معتقدات شعبية متعلقة بالأولياء والقديسين. كما يندرج تحت هذا الموضوع كل ما يتعلق بالمعرفة البيئية، مثل طرق الزراعة، والحفاظ على البيئة، وتربية الحيوانات والنباتات، إلى جانب الطب الشعبي، ومعارف تتبع الأثر فى الصحراء، والاهتداء بالنجوم والقمر، وهى خبرات تراكمت عبر قرون من التفاعل مع الطبيعة.

ويوضح أن الموضوع الخامس، هو المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية، التى تشمل الحرف اليدوية بمختلف أشكالها، مثل النسجيات، وأشغال المعادن، والعمل على الأحجار، والجص والجبس، والفخار. ويؤكد أن هذه الحرف ليست مجرد منتجات مادية، بل تحمل فى طياتها معرفة متوارثة، وخبرات إنسانية، وهوية ثقافية تستحق التوثيق والحماية.

ويشدد الباحث على أن التراث الثقافى غير المادى ليس ماضيًا يُروى، بل حاضر يُعاش، وأن صونه لا يتحقق إلا بالحفاظ على استمراريته، ودعمه، ونقله للأجيال الجديدة بوصفه جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع وذاكرته الحية.

ويؤكد كامل، أن هذا التراث لا يقتصر دوره على حفظ الهوية والذاكرة الجمعية فقط، بل يمتد ليشكل عنصرًا محوريًا فى تحقيق التنمية المستدامة، التى تقوم بدورها على ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد البيئي، والبعد الاجتماعي، والبعد الاقتصادي.

يوضح الباحث أن البعد البيئى يمثل أحد أهم أوجه إسهام التراث الثقافى غير المادى فى التنمية، إذ إن كثيرًا من ممارساته وحرفه التقليدية تعتمد بالأساس على الموارد البيئية المحلية، وتقوم على فلسفة احترام الطبيعة وعدم استنزافها. ويضرب مثالًا بالحرف التقليدية التى تعتمد على الخامات البيئية، مثل صناعة الحصير، والخيامية، والنجارة العربية، وغيرها من الحرف التى تستخدم مواد طبيعية متوفرة فى البيئة المحيطة، وهو ما يعكس وعيًا بيئيًا متوارثًا عبر الأجيال، ويؤكد أن التراث فى جوهره كان دائمًا صديقًا للبيئة.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة